Henry









 

 

 

 

 


دكتور جوزيف أبو نهرا: قراءات تاريخية - 1

 

 

إقرأ في هذا الباب:

- "المدرسة المارونية الحديثة والمسألة الشرقية: الانعكاسات السياسية للمشروع الديني"

-"كنيسة العرب: الحدود والتشكّل"

_____________________________

 

المدرسة المارونية الحديثة والمسألة الشرقية: الانعكاسات السياسية للمشروع الديني

لا بدّ لنا، في الذكرى المئوية الرابعة لتأسيس المدرسة المارونية في روما، من إلقاء أضواء جديدة على تاريخ هذه المدرسة في المرحلة الأخيرة من عمرها ، 1893 1939،  والتي عرفت فيها باسم "المدرسة المارونية الحديثة". لقد كُتب الكثير عن تاريخ المدرسة المارونية منذ تأسيسها سنة 1584، واكبّ الباحثون على النواحي الدينية والاجتماعية والفكرية خاصّة، فلم يتعرّض أحدهم، حتّى اليوم، للانعكاسات السياسية التي رافقت إعادة فتح المدرسة في روما بعد أن أغلقها نابوليون بونابرت اثر اجتياحه لإيطاليا في أواخر القرن الثامن عشر. لقد بقيت المدرسة المارونية مقفلة حوالي المئة سنة ، 1798 1893، وأُعيد فتحها في عهد البطريرك يوحنا الحاج. لم تسلم مدرسة روما المارونية من الانعكاسات السياسيّة التي تحكّمت بمصير المؤسسات الدينية في الأراضي التي احتلّتها جيوش النظام الثوري الفرنسي في عهد نابوليون فقضت بإقفال هذه المؤسّسات باسم مبادئ العلمنة التي نادت بها الثورة الفرنسية.

نابوليون يبيع أملاك المدرسة المارونية

كان نابوليون، إثر اجتياحه لإيطاليا سنة 1798 قد حجز أملاك وأموال جميع المؤسّسات الدينية، ومن بينها المدرسة المارونية التي أمر ببيع بنائها وبعض ممتلكاتها بالمزاد العلني سنة 1812، من أجل تغطية الغرامة الحربيّة التي فرضها على الدولة البابوية وعجزت هذه عن دفعها. حوّل الشاري فابيو طبقات البناء للسكن كما حوّل الكنيسة إلى مخزن، فتبدّدت معظم الأملاك التّابعة للمدرسة وبيعت المكتبة ومخطوطاتها الثمينة بالمزاد. كان من المفارقات الصعبة بالنسبة للموازنة أن يتلقّوا هذه النكسة من فرنسا "الأم الحنون" بالذات، وهي التي كانت لهم، حتى ذلك التّاريخ، المقصد الأكيد والمدافع العنيد فأملوا أن ينالوا منها كل دراية وعناية. لم يبادل الموارنة نابوليون سوء صنيعه بل لبّى بعض تلامذة المدرسة المارونية التي أقفلها طلبه ليكونوا مترجمين لجيشه في الشرق أو ليراقبوا أعمال المطبعة الشرقية التي جلبها من البروبغندا إلى مصر فساهموا، بصورة غير مباشرة، في بسط النفوذ الفرنسي في هذا الجزء من العالم.

الطلاّب الموارنة في مدرسة البروبغندا

لم يشأ الموارنة أن يحول إغلاق مدرسة روما دون متابعة انفتاحهم على الغرب عبر عاصمة الكثلكة. وبما أنه كان من الصعب فتح مدرسة جديدة في بداية القرن التاسع عشر، فقد اكتفى البطريرك يوحنا الحلو بإرسال خمسة طلاّب ليتعلّموا في مدرسة الآباء اللعازاريين في روما تحت إشراف الكردينال اركولاني، محامي المدرسة المارونية في ذلك العهد. لكن التحاق التلامذة الموارنة بدير اللعازاريين لم يدم طويلاً لأن الفائدة لم تكن على المستوى المطلوب، وهذا ما حمل الكردينال أركولاني إلى نقل الطّلاّب لمدرسة البروبغندا لحين افتتاح المدرسة المارونية الحديثة.

بقي التلامذة الموارنة الموفدون إلى روما ينهلون العلم من مدرسة البروبغندا حوالي السبعين سنة 1822- 1893، وكان عددهم يتراوح سنويًا بين الثلاثة والستة. وسعى البطاركة الموارنة ، خلال هذه المدّة لفتح مدرسة جديدة في روما تكون على مستوى سالفتها الشهيرة، لكن عوائق عديدة مادّية كانت تحول دون تحقيق الحلم الكبير قبل سنة 1893 بمساعدة البابا ليون الثالث عشر وجهود المطران الياس الحويك الذي أوفده البطريرك يوحنا الحاج إلى روما سنة 1890، فلم يترك بابًا إلاّ طرقه في سبيل تحقيق مشروع المدرسة.

المسألة الشرقية وحماية الطوائف اللبنانية.

كان لبنان، في منتصف القرن التاسع عشر، من أبرز محاور اهتمام الديبلوماسية الأوروبية، وذلك بسبب وعي وحيوية شعبه وأهمية موقعه كمركز وصل بين الشرق والغرب، حتّى نعته ميترنيخ بأنّه "بلد صغير في منتهى الأهمية لحماية السلام في المنطقة". وعت الدول الأوروبية أهميّة الانتماء الطّائفي في مجتمع تعدّدي التركيب كالمجتمع اللبناني فسعت كل منها إلى إثبات وجودها على السّاحة اللبنانية من خلال حماية طائفية معيّنة.

كانت فرنسا حريصة على حمايتها للموارنة من خلال حرصها على مصالحها في الشرق وكانت تسعى إلى توجيه شؤونهم الثقافية والدينية في سبيل خدمة المصالح، وذلك إمّا عن طريق معتمديها الديبلوماسيين، أو عن طريق الإرساليات الفرنسية التبشيرية والثقافية. ولكن النمسا وانكلترا كانتا تسعيان لاستمالة الموارنة إليهما وإبعادهم عن محور السياسة الفرنسية، وخاصة بعد مؤتمر لندن (15 تموز 1840) الذي قضى بإجلاء محمد علي ، حليف فرنسا، عن لبنان، فكان هذا المؤتمر هزيمة سياسية كبيرة، حتّى نعته البعض "بواترلو الديبلوماسية الفرنسية". لكن محاولة كل من النمسا وإنكلترا لحلّ وثاق الرابط الماروني الفرنسي كانت عبثًا بسبب تعدّد وعمق العلاقات بين الطرفين وبسبب الثقة المفرطة التي كان يضعها الموارنة بفرنسا والحذر الذي كانوا يبدونه تجاه البروتستنتية الإنكليزية. لذلك استدارت النمسا نحو الملكيين فتقاسمت حمايتهم مع فرنسا وتحوّلت إنكلترا نحو الدروز. الحماية الروسية تعدّت الأورثوذوكس لتشمل السريان وحتّى اليهود والشيعة ولكن دون ان تأخذ في هذا المجال طابعًا رسميًا. ويجب الاّ نسقط من حسابنا موقف سردينيا ثم موقف ايطاليا بعد توحيد هذه الأخيرة إذ كانتا تطمحان أيضًا إلى تركيز دعائم ثابتة في لبنان على حساب النفوذ الفرنسي، وذلك عن طريق حماية الطوائف الكاثوليكية.

نرى من خلال هذه اللمحات السريعة تنافس فرنسا والنمسا وإيطاليا لاستمالة الموارنة في الصراع حول النفوذ في الشرق. فكان لكل منها موقف متميّز بالنسبة لمشروع إعادة فتح المدرسة المارونية في روما تبعًا لارتباطه بالمصالح السياسية لهذه الدول. كما أنّ السلطات الروحية المارونية التي أقنعت الفاتيكان بجدوى مشروعها، قد حرصت على كسب تأييد السلطان عبد الحميد الثاني الذي قدّم مساهمة مالية لدعمه.

صراع البطريركية المارونية مع واصا باشا.

كان نظام المتصرفية الذي قام على أنقاض النظام الإقطاعي التقليدي، طائفي الطابع فسمح للكنيسة المارونية بإبراز دورها الرائد على الصعيدين الاجتماعي والسياسي وذلك بعد ضعف سلطة العائلات الإقطاعية وظهور أهميّة الانتماء الطّائفي، خاصة بعد الحروب الأهلية بين الموارنة والدروز. كما تمكّنت السلطات الدينية المارونية من سدّ الفراغ السياسي الذي أحدثه تداعي البنى الإقطاعية للمجتمع اللبناني، فبرزت هذه السلطات كممثّلة لطموحات الشعب ومدافعة عن مصالحه تجاه متصرّف جبل لبنان والسلطات الإدارية المحلّية. وفي سنة 1890، عندما فكّر البطريرك يوحنا الحاج، عقب انتخابه، بإعادة فتح المدرسة المارونية، كان واصا باشا متصرّفًا وعلى خلاف مع السلطات المارونية بسبب سوء إدارته والرشوة والظلم المتفشيان في عهده. فعندما أوفد البطريرك المطران الياس الحويك إلى اسطمبول للحصول على مساعدة مالية لمشروع المدرسة، كان السلطان قد وعد بها، أرسل المتصرّف الوشايات والدسائس إلى عاصمة السلطنة لمنع المطران من مقابلة السلطان خوفًا من أن يعرض أمامه الأوضاع المتردية في إدارة المتصرفية اللبنانية. كانت فرنسا تسعى إلى دعم موقف المطران الحويك في اسطمبول عن طريق سفيرها هناك، ولكنّها كانت حريصة في الوقت نفسه على مهادنة واصا باشا وعدم إغاظته. فلهذا تعطّل هذا الدور ولم يكن على المستوى المطلوب.

التنافس الانكليزي الفرنسي.

التنافس الانكليزي الفرنسي في لبنان زاد في تعطيل دور فرنسا والتزامها الحياد تجاه صراع واصا باشا مع السلطات المارونية.

لقد بقي المطران الحويك في روما شهرًا ينتظر جواب السفير العثماني فيها بشأن الاذن له بالسفر الى الاستانة. ولمّا وصلها في 22 كانون الاول 1891 وجد انّ عراقيل واصا باشا سبقته اليها وكان هذا الأخير قد ارسل الشيخ نعمان حبيش إلى عاصمة السلطنة للحؤول دون مقابلة الحويك للسلطان ولمعرفة مساعيه في قبض المنحة المالية التي وهبها السلطان لمشروع المدرسة المارونية والبالغة عشرة آلاف فرنك فرنسي. وبالفعل فقد بقي المطران الحويك في اسطمبول حوالي الأربعة أشهر يتنقّل من دائرة إدارية إلى أخرى حتّى تمكّن من قبض المبلغ المذكور في نيسان 1892 وحصل على النيشان المجيدي طبقة ثانية ولكنّه لم يحظ بمقابلة السلطان، رغم تدخّل موارنة الآستانة البارزين في الإدارة العثمانية وعلى رأسهم: سليمان البستاني وسليم ملحمة ويوسف حواء والشيخ سليمان الدحداح، رغم مقابلة سفير فرنسا للسلطان من أجل هذه الغاية.

البابا ليون الثالث عشر وبعث الشرق بالشرق

فالمواقف في روما كانت إيجابية ويدعمها البابا ليون الثالث عشر المعروف بسياسته المنفتحة وبميله لوقف حركة الليتنة والمحافظة على خصائص الطوائف الشرقية. فقد كان البابا يرمي الى تشجيع الوحدة بين الكنائس الاورثوذوكسية وروما عن طريق التركيز على خصائص الطوائف الشرقية المتّحدة مع روما وذلك لتبديد مشاعر الخوف عند الشرقيين من الذوبان في الكنيسة الغربية اللاتينية. أنشأ ليون الثالث عشر سنة 1882 ثلاث مدارس إكليركية جديدة مخصّصة للطوائف الشرقية: في القدس بإدارة الآباء البيض، في الموصل بإدارة الآباء الدومنيكان، وفي اسطمبول بإدارة الآباء الكبّوشيين. كان هدف البابا العمل على نهضة

و "بعث الشرق بالشرق" وذلك حسب ما ورد في تقرير وضعه السيد لاكاز، السكرتير الاول للسفارة الفرنسية في الفاتيكان بتاريخ 25 ايار 1883. وقد نصح الديبلوماسي الفرنسي حكومته بمجاراة موجة الانفتاح على الطوائف الشرقية التي ينادي بها البابا ليون الثالث عشر، وذلك كي تتمكّن فرنسا من المحافظة على امتيازاتها في الشرق بحماية الطوائف الكاثوليكية وخاصّة الموارنة في لبنان.

لكن الحكومة الفرنسية لم تكن موافقة على سياسة الفاتيكان الجديدة والتي كانت ترى فيها خطرًا على مصالحها في الشرق، اذ انّ تنمية خصائص الطوائف الشرقية من شأنه ان يعمل على نهضتها وعلى تخلّيها عن الاعتماد على فرنسا مستعيضة عنه بالاعتماد على الفاتيكان الذي يدعم هذه الطّوائف، خاصة وان علاقة البابا ليون الثالث عشر بالسلطان عبد الحميد الثاني كانت جيّدة وكان بامكانه ان يلعب دور الوسيط مع السلطات العثمانية لحماية الطّوائف الشرقية. في النهاية لا سابق لها، عبّر السلطان عبد الحميد عن رضاه على سياسة البابا الشرقية بان أرسل اليه خاتمًا ثمينًا سنة 1887 كهديّة بمناسبة يوبيله الكهنوتي. وكانت العلاقات الديبلوماسيّة قد تحسّنت كثيرًا بين الفاتيكان والباب العالي حتّى انّ الاتّصالات السريّة كانت ستؤدّي سنة 1892 الى توقيع اتّفاقات ديبلوماسيّة مهمّة.

لهذا السبب كانت فرنسا تنظر بحذر الى مشاريع البابا ليون الثالث عشر وغير متحمّسة لسياسته المشرقية التي كانت ترى فيها خطرًا على مصالحها، فلم تشجّع الحكومة مشروع فتح مدرسة مارونية جديدة في روما خوفًا من تقلّص نفوذها على الموارنة. فيما كان السفير الفرنسي في الفاتيكان يظهر تعاطفًا مع سياسة البابا بالنسبة للطوائف الشرقية، كان زميله في اسطنبول يقف ضدّ هذه السياسة محذّرًا من مخاطرها، وكانت وزارة الخارجية الفرنسيّة تميل الى الموقف الثّاني وترى ان "ما يخسره تيّار الليتنة في الشرق يعتبر بالنسبة إلينا خسارة كبيرة.

المدرسة المارونية تحت حماية الدّولة العثمانيّة

ومما زاد من مخاوف فرنسا بالنسبة لمشروع المدرسة المارونية هو انّ البطريركية المارونية وضعتها تحت حماية الدّولة العثمانية وليس تحت حماية فرنسا وذلك مراعاة منها لجانب السلطان عبد الحميد الثاني وواصا باشا الذي كان معارضًا لسياسة فرنسا في لبنان.

ودلالة على التّابعية العثمانيّة فقد ارتأت السلطات المارونية ان يلبس الفوج الاول من تلامذة مدرسة روما الطّربوش التركي الاحمر الّلون مع شرّابة سوداء.

موقف النمسا السلبي من المشروع

انّ السّلطات المارونيّة، عندما وضعت مدرسة روما الحديثة تحت حماية السلطان وليس تحت حماية فرنسا، لم تكن تهدف الى طمأنة العثمانيين فقط بل ايضًا منافسي فرنسا الاوروبيين في مجال المسألة الشرقية وخاصّة النمسا الكاثوليكية التي أمل الموارنة ان ينالوا منها مساعدة لمشروعهم. ولكن النمسا لم تكن لتشكك بعمق العلاقات المارونيّة الفرنسيّة وبإخلاص الموارنة لفرنسا رغم المساعدات التي قدّمتها الحكومة النمساوية لهم سنة 1840 لتحرير البلاد من الاحتلال المصري. وكانت النمسا قد شاركت بقوة عسكريّة قوامها 500 رجل قامت بعملية إنزال على شاطئ جونيه في آب 1840. ضمّت القوّة الارشيدوق النمساوي فريديريك الذي قاد عمليّة انزال في صيدا وكان أول من دخل عكّا بعد تحريرها. وفي الحرب الاهليّة التي جرت سنة 1840 قدّمت النمسا مساعدات ماليّة للمسيحيين تعويضًا عن الخسائر التي ألحقها بهم الدروز. في أرشيف بكركي مراسلات عديدة حول هذا الموضوع بين البطريركية والقنصل النمساوي في بيروت وبينها وبين سفير النمسا في اسطمبول، وكذلك بين البطريرك حبيش وميترنيخ الذي كان قد ارسل له كتاب تهنئة بخروج الجيش المصري من لبنان والمدعوم من فرنسا. وبعد تدفق المساعدات النمساوية المالية والاجتماعية لم يتوان البطريرك يوسف حبيش الذي كان قد خيّبه الموقف الفرنسي، من ان يكتب الى سفير النمسا في اسطمبول قائلاً: "انتم عضدنا الوحيد".

بقيت العلاقات النمساوية المارونيّة جيّدة حتى قضي على قوّة النمسا في حربها مع بروسيا عندما قام بسمارك بتحقيق مشروع الوحدة الألمانية. وخلال تلك الفترة لم يقطع الموارنة علاقتهم بفرنسا وان أصابها بعض الفتور بسبب تأييدها للاحتلال المصري.

أدركت النمسا عندما عاد الموارنة إلى علاقاتهم التقليدية مع فرنسا ان جهودها ومساعداتها لم تؤمن لها النفوذ الذي كانت تسعى إليه كما أنّها لم تقضي على النفوذ الفرنسي. لذلك عندما توجّه المطران الياس الحويك الى فيينّا طالبًا مساعدة لمشروع مدرسة روما، واجه مواقف اقلّ ما يُقال فيها أنّها سلبيّة.

فرنسا تعارض فتح مدرسة مارونية في روما

لم يكن حظ المطران الحويّك مع الحكومة الفرنسية في باريس على مستوى الآمال التي علّقها على مساعدة فرنسا لمشروع المدرسة. فقد بقي في باريس حوالي التسعة أشهر (من 23 آب 1890 وحتى 24 ايار 1891)، قضاها بالجهاد المتواصل لكسب تأييد الحكومة الفرنسية. لقد كانت فرنسا تعتبر انّ لها وحدها حق حماية الموارنة وترفض التخلّي عن هذا الامتياز لايطاليا او لغيرها. لذلك لم تتحمّس لمشروع المدرسة لانّها لم تجد مصلحة في ذلك، على أساس انّها ستكون في روما وليس في باريس.

المساعدة الفرنسية المشروطة

لم يترك الحويّك في فرنسا بابًا إلاّ وطرقه، فقد قابل رئيس الجمهورية ووزير الحربية ورئيسي مجلسي النّواب والشيوخ مع أعضاء في المجلسين فلم يحصل إلاّ على وعود ولم يتلق أيّة مساعدة مباشرة لمشروع مدرسة روما. وعندما زار الحويك دور الجرائد الفرنسيّة وقامت هذه بحملة اعلاميّة عن الطّائفة المارونيّة وعلاقاتها التقليديّة بفرنسا، حرّكت مقالاتها بعض فئات الشعب فتبرّع في الكنائس لمشروع المدرسة، كما ليّنت من موقف الحكومة الفرنسيّة التي عرضت تقديم مساعدة سنويّة بقيمة 12 الف فرنك وضمن شروط تضمن مصالح فرنسا. فقد اشترطت الحكومة الفرنسيّة ان تكون المدرسة تحت حماية فرنسا وليس تحت حماية السّلطان وان تكون بادارة كاهن فرنسي لضمان التوجيه الثقافي للمدرسة، وان يكتب اسم فرنسا على التّاريخ الذي ينقش على مدخلها. كان البابا يدرك تمامًا خلفيّات الموقف الفرنسي ويعرف انّ حماية باريس لمدرسة اكليريكيّة في روما من شأنها أن تأخذ طابعًا سياسيًا يؤثّر على التّوجيه الدّيني لهذه المدرسة، لذلك رفض ليون الثّالث عشر العرض الفرنسي فتراجعت فرنسا عن وعدها بالمساعدة المادّية.

لم تكن فرنسا تنظر الى الموارنة كطائفة دينيّة مسيحيّة بقدر ما كانت تعتبرهم كضامنين لسياستها في الشرق. واقترح الوزير بالمقابل ان تدفع الحكومة الفرنسيّة سنويًا رواتب ثمانية اكليريكيين موارنة يدرسون في مدرسة سان سولبيس الباريسيّة الشهيرة.

كانت فرنسا تعتقد انّها في عرضها هذا ستجعل الموارنة يقلعون عن مشروع مدرسة روما لكن السلطات المارونيّة كتبت الى المطران الحويك بقبول العرض الفرنسي وبمتابعة جهوده لاعادة فتح مدرسة روما. كما انّ المطران الحويّك لم يبرح باريس قبل الحصول على معبد للطّائفة المارونيّة وضعته الحكومة الفرنسيّة بتصرّفها، مع مسكن لكاهن يمثّل الطّائفة لديها. وقد تمّ استلام المعبد في 10 آذار 1892 وهو كنيسة قصر اللوكسمبورغ الشهيرة حيث مقرّ مجلس الشيوخ الفرنسي. ولكن بعد 15 سنة استرجعت الحكومة هذا المعبد ثمّ وهبت الطّائفة المارونية معبدًا آخرًا وديرًا ملحقًا به وهو المعروف اليوم بمعبد سيّدة لبنان القريب من ال Pantheon.

ففي بلجيكا التي زارها المطران الحويّك وقابل أساقفتها حاملاً اليهم التوصيات من روما، لاقى فيها "اكرامًا ولم ينل احسانًا". وكان من الطبيعي الاّ يطرق الحويك باب انكلترا البروتستانتية وكذلك بروسيا التي كانت على عداوة تقليدية مع فرنسا او روسيّا، حمية الارثوذوكس. فقد كانت الدول الثلاث تعمل مجتمعة ومنفردة على محاربة النفوذ الفرنسي وعرقلة مشاريع من يتمتّع بالحماية الفرنسيّة.

ولكن رغم كل الانعكاسات السياسيّة فقد ابصر المشروع الدّيني النّور بفضل جهود المطران الحويّك، فقد تمكّن من جمع تبرّعات من الشعب الفرنسي التي تخطّى الموقف السياسي لحكومته وقدّم بعفويّة وسخاء المساعدات لمشروع المدرسة المارونيّة. وكان البطريرك يوحنا الحاج قد جمع ايضًا تبرّعات من مختلف الابرشيّات المارونيّة فتمّ تأمين المبلغ المطلوب وهو 113 الف فرنك فرنسي، أضاف اليها البابا ليون الثّالث عشر مبلغ 50 الف فأصبح بالامكان شراء بناء لائق بالمدرسة في شارع بورتا بنشيانا وذلك في 17 آب 1893 ووصل الفوج الاول من تلامذة المدرسة الى روما في 13 تشرين الاول 1893 وكان عددهم اثني عشر تلميذًا بينهم ثلاثة رهبان. كما انضمّ الى الفوج الثّالث ثلاثة رهبان كانوا في دير الحلبيين في روما فأصبح العدد الإجمالي خمسة عشر تلميذًا. أغلقت هذه المدرسة نهائيًا مع بداية الحرب العالميّة الثّانية سنة 1939 ولكن البناء ما يزال ملك الطّائفة المارونيّة وهو اليوم مقرّ النّائب البطريركي الحالي في روما، سيادة المطران اميل عيد.         

__________________

كنيسة العرب: الحدود والتشكّل

لا أجد حرجًا او غضاضة في تلاقي مسيحيتي مع العروبة لانها اوسع من ان تحصر في قومية معيّنة او تتقوقع في جماعة محدّدة. المسيحية رسالة سماوية كونية موجهة الى جميع الأمم والشعوب وأنا أعيشها اليوم في بيئة عربيّة مشرقية استمرّت فيها دونما انقطاع منذ نشأتها، وبقيت كذلك، وان تحجّمت، بعد أربعة عشر قرنًا على ظهور الإسلام.

يتجاذب المسيحيين الشرقيين اليوم نزعتان متناقضتان:

في بيئة عربية اسلامية، استيعابية احيانًا، يشعر المسيحيون انهم حملة تراث عريق ورسالة خاصة ائتمنوا عليها وديعة مقدسة ويودّون صيانتها بوفاء وتنميتها بثبات.

في عصر العولمة يعيشون تحولات متسارعة تتطلّب قدرة على المجابهة ومرونة في التكيف وفي البحث عن صيغ جديدة لتجسيد ايمانهم والتعبير عنه، وعن تضامن جديد متجدد يشد أواصر العلاقات مع بعضهم ومع الآخرين.

لا تضحي المسيحية في الشرق مجرّد انتماء اجتماعي او رابط طائفي.

ولدت المسيحية في الشرق وفيه ترعرت مستمدّة حيويتها من رسل المسيح ومن تعاليمهم. ولأنها تجسّدت في محيط عريق بالحضارتين السامية والهلّينية فقد انطبعت بهذا المحيط في لاهوتها ونظمها وطقوسها وروحانيتها.

تعتبر القرون الثلاثة الأولى أهمّ مرحلة تاريخية مرّت بها الكنيسة لكونها مرحلة التأسيس والانتشار السلمي، وزمن الوحدة الشاملة والمحبّة الكنسية الخالصة، وعصر الشهادة الرائعة والاستشهاد البطولي.

المسيحية شرقية في نشأتها، أصلية في تجذّرها. نشأت أولاً في أورشليم يوم العنصرة وفقًا لسفر أعمال الرسل، ثم انتشرت في سائر أنحاء فلسطين وسورية والمدن الفينيقية وقبرص. وبلغت مدينة انطاكية التي كانت تعتبر المدينة الثالثة في العالم بعد روما والإسكندرية، كما جاء  على لسان البلاذري. اعتنقت انطاكية الديانة المسيحية منذ فجرها وذلك في العام 34 على اثر تبشير بعض التلاميذ الذين تشتتوا من أورشليم بسبب الاضطهاد اليهودي وبعد مقتل القديس اسطفانوس أول الشهداء. ثم تعزّز الوجود المسيحي في انطاكية بقدوم برنابا وبولس الرسول إليها. وفيها أطلق لأوّل مرّة أتباع المسيح المؤمنين بالديانة الجديدة لقب "مسيحيون". ومن السائد ان النص النهائي لإنجيل متّى تمّ وضعه في انطاكية.

كنيسة انطاكية

في العام 37 قدم الى انطاكية بطرس هامة الرسل حيث عمل على ترسيخ الكنيسة الانطاكية كارزًا ومعلّمًا باللغتين العبرية والآرامية. وأسّس فيها كرسيه الرسولي الانطاكي، وهو أول كرسي رسولي نشأ في المسيحية خارج اورشليم. من انطاكية انتقل القديسان بطرس وبولس الى روما، وهناك تعرّضا للاضطهاد في عهد الامبراطور نيرون وماتا شهيدي الإيمان سنة 64.

بما ان الكرسي الانطاكي نشأ على يد القديس بطرس سنة 37، قبل انتقاله الى روما، لذلك فسلسلة أساقفة انطاكية كسلسلة أساقفة روما تبدأ بالقديس بطرس.

كانت البطريركية الانطاكية تشمل مختلف مناطق بلاد الشام أي كل أقطار المشرق، من جبال طوروس الى حدود مصر. كما كان نفوذها يمتد إلى العراق وإيران وبلاد القوقاز، بالإضافة الى قبرص. وبسبب سلطته الى خارج انطاكية، عرف البطريرك الانطاكي ببطريك انطاكية وسائر المشرق.

نظرًا لأهميتها، سمّيت انطاكية "المدينة العظمى" وبلغت أوج عزّها في القرون الثلاثة الأولى حيث وصل عدد سكّانها الى 700000 نسمة. وكما كانت القدس مركز التبشير المسيحي بالنسبة الى العالم اليهودي، اصبحت انطاكية نقطة الانطلاق بالنسبة الى العالم الوثني.

كانت اثينا وانطاكية مشعلين أضاءا العالم كلّه آنذاك: اثينا أضاءت اوروبا وانطاكية أضاءت آسيا. شكلّت المناطق التابعة للبطريركية الانطاكية فسحة تلاق وتلاحق انصهرت فيها الثقافات الشرقية والسامية مع الثقافة اليونانية، كما تناهى تأثيرها الى العاصمة البيزنطية نفسها.

كما في انطاكية يونانيون يتكلّمون اليونانية الى جانب سوريين يتكلّمون الآرامية.

بدأت اللغة السريانية تسود منذ القرن السادس بواسطة المونوفيزيين اتباع الطبيعة الواحدة وكان من أبرز مراكزها مدينة الرها.

انطلاقًا من انطاكية وسوريا، تم التبشير بالانجيل في العالم الشرقي فانتشرت المسيحية في بلاد ما بين النهرين وفي بلاد فارس وفي الهند. ويعزو التقليد تبشير الهند والمناطق المحيطة بها الى الرسول توما، وما زالت كنائس حيّة قائمة فيها الى اليوم.

اما أرمينيا فانها اهتدت الى المسيحية على يد القدّيس غريغوريوس المنوّر (240 332) وهو من أصول نبيلة أرمنية تربطه بالنسب الى العائلة المالكة.

وتنسب الى القديسة نينو التي يعتقد انها جاءت من سوريا، هداية مدينة جيورجيا الى المسيحية.

لا بدّ من ذكر الحياة الرهبانية في سوريا، وقد شاعت منذ القرن الاول الميلادي وعرفت بالتقاليد النسكية المميّزة حتى وصلت الى الغرب شهرة النسّاك العموديين. ولا ننسى انه في منتصف القرن الثاني كان أنيست (Anicet)، بابا روما الحادي عشر، سوريًا، جاء روما من مدينة ايميز (Emese) وهي اليوم حمص الواقعة على نهر العاصي. كما انّه لاحقًا، في القرنين السابع والثامن، انتخب بابوات غيره من اصل سوري.

كنيسة الاسكندرية ومدرستها

في مصر دخلت المسيحية البلاد عن طريق القديس مرقس الذي أسّس كنيسة الاسكندرية حوالي العام 60. تعتز كنيسة الاسكندرية بحدث مهمّ في بدايات المسيحية وهو هروب العائلة المقدّسة الى أرض مصر.

انتشرت المسيحية في ريف مصر وفي الصعيد وكثرت الأبرشيات حتى بلغت المئة في أواخر القرن الثالث. ومن مصر دخلت ليبيا ثمّ سائر أنحاء شاطئ المتوسط في شمالي افريقيا. في نهاية القرن الثالث برزت الحياة الرهبانية في مصر.

وكانت الاسكندرية عند نشوء المسيحية من أشهر مراكز المعرفة وأغناها. اما مدرستها فيقول القديس جيروم بان مؤسسها هو القديس مرقس نفسه. وتعتبر مدرسة الاسكندرية من أقدم مراكز العلوم المقدّسة في تاريخ المسيحية. فيها نشأ اول نظام للاهوت المسيحي ومنها انطلقت طريقة التفسير الرمزي للكتاب المقدّس. ويعتبر القديس اكليمنضس الاسكندري (+214)، معلّم اوريجينوس الشهير، أوّل كاتب لاهوتي مسيحي يستخدم التفسير الرمزي. وكان لاهوتيو الاسكندرية من ابرز القادة الأوائل في المجامع المسكونية.

الى جانب مدرسة الاسكندرية عرف الشرق مدارس لاهوتية بارزة في انطاكية والرّها ونصّيبين. فيما كانت انطاكية تمثل مع مدرستها التراث المسيحي اليوناني، كانت مدرسة الرّها وخليفتها في نصّيبين منارتين من منائر المسيحية السريانية.

مدرسة انطاكية

لم يكن في انطاكية مؤسسة تعليميّة مسيحيّة واحدة كما في الاسكندرية بل كان فيها عدّة مدارس تتركز في أغلب الأحيان على معلّم خاص.

تميزت مدرسة انطاكية بمقاربة واقعية للنّص الكتابي تميل إلى استنطاق التاريخ واستعمال تقنيات النقد الأدبي الدّنيوي في شرح الكتاب المقدّس. في المقابل، كان تراث التفسير في مدرسة الاسكندرية اكثر اهتمامًا بالروحانية، ويستخدم المجاز والاستعارات دون أن يولي الأبعاد التاريخية للنص اهتمامًا خاصًا.

مدرسة الرها

ظهرت في العقود الاولى من القرن الخامس وكانت تعرف بمدرسة الرها "الفارسية". عرفت هذه المدرسة بارتباطها الوثيق بالتراث الانطاكي وذلك في مجال الخريستولوجيا القائلة بالطبيعتين، وفي التفسير. ولكن بعض تلامذة هذه المدرسة مالوا إلى الخريستولوجيا الاسكندرية القائلة بالطبيعة الواحدة، وذلك بعد مجمع خلقيدونية (451)، فأصبحت مدرسة الرها مرتعًا للنسطورية.

من أهم مساهمات مدرسة الرها أنها دمجت العلم اللاهوتي اليوناني بالتراث السرياني اللاهوتي المحلّي.

مدرسة نصّيبين

في أواخر القرن الخامس أخذت مدرسة الرها الفارسية تغرق في الظلام حتى أغلقت نهائيًا سنة 489. وكان مديرها، الشاعر السرياني نرساي قد انتقل الى نصّيبين سنة 471 فساهم مع متروبوليتها برصوما، في أحياء مدرسة كانت قائمة وازدهرت حتى غدت خليفة مدرسة الرها.

كان لمدرسة نصّيبين تأثير كبير في كنائس المشرق، لا سيما في القرنين السادس والسابع .

إذا قيّض لمدرسة أنطاكية أن تطبع المسيحية الأولى في الشرق بتراث الثقافة اليونانية الكلاسيكية، فقد ساهمت مدرستا الرها ونصّيبين في تفاعل التراث المسيحي اليوناني مع التراث المسيحي السرياني.

أثر المدارس الشرقية المسيحية في الفكر الانساني

كان لهذه المدارس دور بارز في بلورة وترسيخ العناصر الأساسية المكوّنة للتراث المسيحي في الشرق قبل قيام الفتوحات العربيّة في القرن السابع.

بعد الفتوحات العربية، وخلال القرون اللاحقة، لا سيما في القرن التاسع، ارتبطت فروع متنوعة من التراثين اليوناني والسرياني بالتراثات الثقافية العربية، فكان لهذا التفاعل اثر عميق طال الشرق والغرب على السواء.

المسيحيّون الشرقيّون والاسلام.

بدأت المسيحية تنتشر بين العرب منذ القرون الأولى. ملك الرها أبجر الأكبر الذي اعتنق المسيحية في حدود العام 200 للميلاد، فكان أول حاكم في التاريخ يعتنق الدين المسيحي، وأصبحت الرها معه أول دولة تعدّ المسيحية فيها الديانة الرسمية.

الإمبراطور الروماني يوليوس فيليبوس وأصله من مدينة الشهباء في سورية. وكان أول إمبراطور روماني مسيحي ، 244 249،  لكنّ حكمه لم يدم اكثر من خمس سنوات.

في القرن الخمس كانت الممالك العربية كلها مسيحية: مملكة الغساسنة، مملكة اللخميين  ومملكة كندة. كان يوجد العديد من القبائل العربية المسيحية بينها قسم كبير من قبيلة طي وقد كان أميرها حاتم مسيحيًا. وكانت عربية البتراء أو "العربية الصخرية" (الأردن اليوم) مسيحية وفيها 33 أسقفية. نجد في مكة ذاتها مسيحيين بينهم ورقة بن نوفل.

على اثر الفتوحات سعى الحكام العرب إلى عربنة البلدان المفتوحة بشكل تدريجي. كان المسيحيون الشرقيون يستعملون اللغات العربية والسريانية واليونانية والقبطية. شيئًا فشيئًا ومنذ القرن الثامن حلّت اللغة العربية بشكل كامل مكان اللغات الأصلية.

مكّنت هذه الظاهرة المسيحيين العرب والمستعربين من مستوى ثقافي كان يفتقده العرب البدو القادمين من قلب الجزيرة العربية.

التأثير المسيحي في الفكر الإسلامي

التراجمة المسيحيون

ظهر هذا التأثير بنوع خاص في العصور العباسية عن طريق التراجمة المسيحيين الذين أوصلوا الثقافة الهيلنية إلى العرب. برع العديد من هؤلاء في "بيت الحكمة" الذي أسّسه المأمون سنة 830. ومنهم الطبيب النسطوري يوحنا بن ماسويه (+857)، وتلميذه حنين بن اسحق ، 808 872، كما اشتهر قسطا بن لوقا البعلبكي الاصل ، 820 912، الذي نقل العديد من مؤلفات اليونان ولمع في الفلسفة والهندسة والحساب والموسيقى.

لعلّ أبرز أثر للمسيحيين العرب في الفكر الإسلامي يتجلّى في الميادين التالية:

إدخال مفهوم الفلسفة واللاهوت الطبيعي إلى حضارة لا تعترف أصلاً إلاّ بالوحي.

طبع الفلسفة الإسلامية بطابع أرسطوطالسي وأفلاطوني مستحدث، إن لجهة المفردات اللاهوتية أو لجهة المحاجّة المنطقية.

كان للفلسفة التي أدخلها المسيحيون إلى الفكر العربي بالغ الأثر في المعتزلة الذين اتخذوا العقل قياسًا و "انعزلوا" عن الجماعة في عقائد الدين فقالوا بخلق القرآن. كما شكلت هذه الفلسفة عنصرًا مهمًا في نشوء المذهبين الشيعي والاسماعيلي.

روّاد النهضة

في العصر الحديث كان للمسيحيين دور بارز في النهضة العربية فكانوا رواد الطباعة: مطبعة دير مار انطونيوس قزحيا (1610)، مطبعة البطريرك الارثوذكس اتناسيوس الرابع دباس، في حلب (1706)، ومطبعة عبد الله الزاخر في دير مار يوحنا الخنشارة (1734)، ومطبعة القديس جاورجيوس في بيروت (1753).

في مجال الصحافة كان لهم اثر لافت في تكوين الوعي الثقافي والعلمي والسياسي في القرن التاسع عن طريق الدوريات التي أنشأوها في لبنان وفي مصر، نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر:

"الجنان"، مؤسسها بطرس البستاني، في بيروت، 1870.

"المقتطف"، أسسها يعقوب صرّوف وفارس نمر في بيروت، 1870.

"الأهرام"، أسسها سليم وبشارة تقلا في الاسكندرية، 1876.

"الشفاء"، مؤسسها شبلي الشميّل، في القاهرة، 1886.

"الهلال"، مؤسسها جرجي زيدان، في القاهرة، 1892.

"المشرق"، مؤسسها الأب لويس شيخو، في بيروت، 1898.

من رواد النهضة اللغوية والأدبية والفكرية نذكر المعلّم بطرس البستاني، والشيخ ناصيف اليازجي، وابنه الشيخ ابراهيم اليازجي، وبطرس كرامه، وفرنسيس المرّاش، ورزق الله حسّون الحلبي، ومخائيل مشاقة.

دعا المثقفون المسيحيون في عصر النهضة إلى اعتماد العلمانية في المجتمعات العربية. ولطرحهم هذا وجهان: وجه أول يدعو إلى فصل الدين عن الدولة وينقد المسلك الديني الطائفي الذي يؤدي إلى التعصّب وأي تفكك المجتمع المدني. والوجه الثاني في دعوتهم الى بناء قومية عربية لا يكون عمادها الأساسي الدين بل اللغة والأرض والتاريخ والمصير المشترك.

مفهوم الكنيسة

في كلامنا عن كنيسة العرب، لا نقصد الإشارة إلى "الكنيسة العربية" بالمعنى الحصري، او الكنيسة الانطاكية، او الارثوذكسية، او الكاثوليكية، أو القبطية بالمعنى الضيق المتداول. المقصود هو الكنيسة الحيّة في هذه المنطقة، تلك التي تتألّف من مجمل المسيحيين، والتي تشمل هويتها الكنائس الفردية ومنها تتألّف.

مفهوم العروبة

المقصود بالعروبة في عبارة "كنيسة العرب" هو رابط الثقافة الذي يتخطّى الانتماء الديني او العرقي ليطال اللغة والتاريخ والمصير المشترك. في الفكر المسيحي وعلى أرض الواقع، لا يمكن لكلمة "عربي" ان تكون مرادفة لكلمة "مسلم" طالما يوجد عرب غير مسلمين.

من الإنصاف ان نذكر أن المسيحيين العرب، واللبنانيين بخاصّة كانوا اول من دعا الى قومية عربية ديمقراطية علمانية تتخطّى مفهوم "الأمّة" الإسلامية، وترتكز على مفاهيم فلسفية من معطيات العقل لا من منزلات الغيب. وشدّد المفكرون المسيحيون على عوامل اللغة والصلات البشرية التي تلتقي عند مجتمع معيّن وعلى أرض معيّنة حول أهداف زمنية حضارية من العدالة والمساواة والحرية. من هذا المنطلق شق المسيحيون درب القومية العربية تحت شعار اللغة لا الدين فأنشأوا الجمعيات العلمية والمدارس والصحف وبعثوا اللغة من انحطاطها لبلورة وجدان قومي يجمع الناطقين بلغة الضاد.

وستظل بيروت تحمل شرف ما علّق على جدرانها ذات ليلة من الليالي المدلهمّة بالظلم والاستبداد في العهد العثماني: "تنبهوا واستفيقوا أيها العرب فقد طغى السيل حتى غاصت الركب". كانت صرخت الشاعر ابراهيم اليازجي تلك أول نفير قومي سمع في المشرق النائم.

مفهوم المسيحي في الضمير الإسلامي

مفهوم المسيحي في الضمير الإسلامي يكتنفه الإبهام منذ مجيء الإسلام وحتى اليوم. هذا الإبهام ظاهر في الصور التي حدّدها القرآن وجسّدتها ممارسات الأنظمة الإسلامية عبر التاريخ:

لم ترد أبدًا في القرآن كلمة "مسيحيون" بل يسمّيهم "نصارى". وهي ترجيحًا تعنى في القرآن فرقة خاصة من المسيحيين ذات طابع يهودي، ولا تعني حكمًا اتباع يسوع الناصري.

المسيحيون في القرآن هم ايضًا "اهل الكتاب"، وهي عبارة تطلق على اليهود وعلى المجوس، والقرآن يتهمهم بتحريف كتبهم المقدسة التي لا تتفق مع الوحي القرآني. والمسيحيون لا يعتبرون أنفسهم أهل الكتاب بل أهل "الكلمة" المتأنس.

المسيحيون في الاسلام هم "اهل ذمّة"، يحظون بالحماية في دار الاسلام مقابل موجبات معينة، ولكنهم هامشيون في الحياة الوطنية.

المسيحيون في الاسلام هم ايضًا "الروم" وهي عبارة تعني في القرآن البيزنطيين. وما زال بعض المسلمين يعتبر المسيحيين في العالم العربي وكأنهم مواطنون في امبراطورية اخرى لا في الدول الاسلامية.

المسيحيون يشكلون مجموعة ملل. والمفهوم بالملّة التعاليم المختصّة بجماعة. ويقصد الكتّاب العرب من هذا التعبير مجموعات مبعثرة من الفرق كالملكيين والارثوذكس والموارنة والسريان والنساطرة... وهم في قصدهم هذا لا ينفذون الى مفهوم "الكنيسة". ولا بد من الاشارة الى ان العديد من المسيحيين يشاركون في سيطرة هذا الابهام اذ يعتبرون انفسهم طوائف لا كنائس.

كما ان العديد من دساتير الدول العربية اليوم يعتبر إن دين الدولة هو الإسلام وهو مصدر التشريعان المدنية. وهذا ما يستتبع تطبيق الشرع الإسلامي على المسيحيين في ممارسة حقوقهم المدنية والسياسية، فلا يعتبرون مواطنين متساوين في الحقوق مع المسلمين.

ان نظرة الإسلام هذه غير المتكافئة للمسيحيين، من شأنها أن تخفّف من إرادة البعض في الانخراط انخراطًا تامًا وملتزمًا في المجتمع الذي يعيشون فيه. ولكن من شأنها أيضًا أن تزيد من حماس بعضهم الآخر للالتزام بمجتمعهم والعمل على الصعيدين الفكري والسياسي لتغيير المعادلات القائمة من اجل تطبيق ابسط الحقوق التي تؤمن بها وتدافع عنها الشعوب الحرّة وأولها: المساواة والحرّية.

لو نظرنا إلى الواقع لوجدنا ان المجتمع المسيحي في الشرق يعيش غربتين: غربة دينية الطابع بسبب الكنائس المفككة والتراثات الحضارية المختلفة التي وصلت إليه من سوريا القديمة وبلاد ما بين النهرين والجزيرة العربية وبيزنطية واليونان والرومان. فلك كنيسة تاريخها وثقافتها ولغتها الطقسية. ويعيش كذلك المجتمع المسيحي في غربة زمنية في ظل أنظمة تتناقض أحيانًا مع مبادئه الدينية وحقوقه الإنسانية فيشعر أبناؤه بتمزّق داخلي بين الولاء لقيصر والانتماء الى عالمية المسيح، بين قدرهم الإنساني وقدرهم اللاهوتي.

أمام هذا الضياع يعاود المسيحي اليوم في الشرق الخياران اللذان ما برحا منذ البدء يتنازعانه: الالتزام حتى الانعدام أو الانسحاب حتى الاغتراب. وأسوأ الحالين هو ثالثهما: وقفة الحياد التي تقفها أحيانًا الكنيسة فلا تواجه الواقع بشجاعة كافية ورؤية نبوية.

نحن مدعوون اليوم في مجتمعنا العربي للخروج من التردد إلى الترسّل ومن الأحجام إلى الأقدام.

كنيسة العرب: الأرض والشعب

التسمية

عبارتنا "الشرق المسيحي" و "كنيسة المشرق" تسهمان في تغذية الالتباس والغموض لأنهما لا تعبّران بدقة، لا عن هوية الكنيسة ولا عن هوية الشرق.

في الشرق كثرة الكنائس المتنوعة والمتعددة وهي أقرب إلى الفسيفساء منها إلى الوحدة المتراصّة. وفي الواقع ليس هناك من شرق مسيحي، ولا يجوز تغذية الشعور بان هنالك وحدة ما متماسكة تدعى بهذا الاسم.

المسيحيون العرب يشكلون حوالي 10% من سكّان دول الشرق العربية، ويؤلف من بينهم أقباط مصر العدد الأكبر. لذلك فعبارة "الشرق المسيحي" غير مطابقة للواقع لان الإسلام هو دين الأغلبية الساحقة.

ان تسمية "كنيسة العرب" تتجاوز التسميات السائدة في كنائس الشرق والتي لا تعبّر عن جوهر الكنيسة وحقيقة هويتها.

لا تخلو تسمية "كنيسة العرب" من بعض المخاطر:

الخلط بين العروبة والتعريب السياسي وإعادة صياغة تاريخ الكنيسة من خلال القضايا الراهنة.

الخلط بين كلمة "عربي" وكلمة "مسلم" بحيث يعتبر المسلمون المسيحيين العرب غرباء. ويعتبر المسيحيون أنفسهم انهم ليسوا عربًا.

التسليم بان الطابع الديني سيبقى الطابع الغالب في المنطقة ولا مكان للعلمانية في الشرق ارض الديانات الثلاث اليهودية والمسيحية والإسلام.

ميل البعض إلى رفض تسمية "كنيسة العرب" وتفضيل البقاء في أطرهم الخاصة تكوّنت عبر الأجيال من سريانية، وبيزنطية وقبطية وبروتستنتية. وهؤلاء لا يرون من الحقيقة الكنسية سوى كنائس منفصلة أي مجرّد طوائف. إن الأشجار تحجب عنهم الغابة.

الكنيسة والأرض

في تحديده للرقعة الجغرافية التي تنتشر عليها كنيسة العرب، يحصرها الأب كوربون بالجزيرة العربية والهلال الخصيب. لم يشمل الأب كوربون في هذا التحديد الكنيسة في وادي النيل وفي المغرب.

لا يخلو طرح الأب كوربون من منطلقات كنيسة إذ إنّ الرقعة الجغرافية التي يخصّ بها كنيسة العرب تقف عند حدود البطريركية الانطاكية باعتبار أن وادي النيل حيث تنتشر الكنيسة القبطية هو ضمن حدود بطريركية الاسكندرية.

لو انطلقنا فقط من المنطلقات التاريخية لوجدنا ان في تاريخ الكنيسة الانطاكية بعض الاختلاف عن تاريخ كنيسة الاسكندرية. فكنائس الشرق الانطاكية لها تاريخ ولاهوت مشترك فيما بينها اكثر مما لها مع كنيسة الاسكندرية.

ولكن لو انطلقنا من المنطلقات الجيوسياسية ومن المعضلات المطروحة حاضرًا، لملنا إلى اعتبار وادي النيل وكنيسة الاسكندرية داخل حدود الرقعة الجغرافية التي تنتشر عليها كنيسة العرب.

يواجه الوجود المسيحي اليوم التحديات نفسها في معظم الدول العربية مع تصاعد العصبيات الدينية وتزايد الحركات الأصولية. كما أن المسيحيين العرب في المشرق والمغرب يواجهون المصير نفسه.

التشتت والتفكك

تاريخ كنيسة العرب حافل بالتحديات منذ العهود الأولى للمسيحية في الشرق بحيث تشتت العديد من أبنائها صوتًا لحرية المعتقد وطلبًا للأمان. والتشتت الأول كان خلال الحربين اليهوديتين (سنة 70 م وسنة 135 م). وخلال النزاعات اللاهوتية التي نتجت عن مجمعي أفسس (431) وخلقيونية (451) أصاب التشتت المسيحيين السريان والملكيين واليعاقبة. كما انه في القرن الثالث وحتى الفتح الإسلامي كانت المواجهة بين بيزنطية والساسانيين تتم في غالب الأحيان على حساب السكان المسيحيين.

بعد مجيء الإسلام عاش المسيحيون أربعة عشر قرنًا من التآكل بعد الفتوحات وفي الخلافتين الأموية والعباسية وكان للمحلات الصليبية على مسيحيي الشرق (قرنان 12 و 13) أوخم العواقب. ثم جاءت هجمات المغول فزادت من تشتتهم (قرون 13 و15). ولا ننسى هجرة الأرمن إلى كيليكية والأناضول في مستهلّ الألف الثاني، والمجازر التي تعرضوا لها سنة 1915 فبلغ عدد ضحاياها مليونا ونصف. ومنذ سنة 1948 برزت مأساة فلسطين وطرد نصف أهلها أما النصف الآخر المقيم فقد أضحى غريبًا على أرضه وفي دياره. وحاضرًا لم تلق بعد مشكلة المسيحيين في جنوبي السودان حلاً نهائيًا.

إن هذا التاريخ المأساوي وما أحدثه من جراح ثخينة في أعماق الجماعات أدّى إلى تآكل الوجود المسيحي في الشرق فلم يبق منه إلا جماعات مبعثرة غير محصورة في بقعة معيّنة.

التأصّل في الارض

ليست كنيسة العرب خيالية بالمعنى الذي يمكن ان يتصوّره البعض نوعًا من كيان غريب عن المنطقة. إنها كنيسة متأصّلة في أرضها وهي "محليّة" وان كانت هذه الأرض عرضة لتقلبات الدهر. ان جبالنا وودياننا وسهولنا وأنهارنا وصحارينا هي المقام الأول لكنيستنا وهي الأكثر ديمومة من الحدود السياسية والإدارية.

أعطيت كنيستنا منذ زمن طويل وعبر هجرات أبنائها المتتالية، نعمة فريدة تعيش بها قول الربّ: انتم في العالم ولكنكم لستم من العالم" (يوحنا 17، 14 18). "وانتم في العالم" هنا تعني في العالم العربي وهي كنيسة العرب بحكم كونها على أرض العرب وفي سكانها وفي ثقافتها. وعبارة "لستم من العالم" تنطبق تمامًا على كنيسة العرب لأنها لم تكن يومًا من الأيام مملكة من هذا العالم.

الكنيسة والشعب

الكنيسة شعب الله دونما تمييز في العرق واللون واللغة، متعددة المظاهر وواحدة في الجوهر. ولدت كنيسة انطاكية تحت شعار التعدّدية ولم تتغير طوال الألفي سنة من التاريخ.

لم يعرف التاريخ تنوعًا دينيًا مدهشًا كالتنوع الذي نعيشه اليوم على ارض العرب.

يمكن وصف تنوع كنيسة العرب إذا تبعنا الترتيب الأبجدي والوجه القانوني للكنائس التي تعود في الأصل إلى انطاكية واسكندريّة:

الكنيسة الأرمنية الارثوذكسية: كاثوليكية كيليكيا وبطريركية اورشليم.

الكنيسة الأرمنية الكاثوليكية: بطريركية كيليكيا.

الكنيسة الأشورية: كاثوليكية سلوقية واستيسيفون.

كنيسة الروم الاثوذكس: بطريركية انطاكية وبطريركية اورشليم.

كنيسة الروم الكاثوليك: بطريركية انطاكية واورشليم والاسكندرية.

الكنيسة السريانية الارثوذكسية: بطريركية انطاكية.

الكنيسة السريانية الكاثوليكية: بطريركية انطاكية.

الكنيسة القبطية الارثوذكسية: بطريركية الاسكندرية.

الكنيسة القبطية الكاثوليكية: بطريركية الاسكندرية.

الكنيسة الكلدانية الكاثوليكية: بطريركية بابل.

الكنيسة المارونية الكاثوليكية: بطريركية انطاكية.

إذا أخذنا بعين الاعتبار أن للأرمن الارثوذكس بطريركيتين (كيليكيا و اورشليم ) وان للروم الارثوذكس بطريركيتين أيضًا (انطاكيا و اورشليم) لأصبح عدد الكنائس الرسولية الشرقية المتحدرة من انطاكية والاسكندرية ثلاث عشرة كنيسة.

وإذا أضفنا إليها مجموعات ثلاثًا من الكنائس ذات الأصل الغربي الحديثة العهد نسبيًا وهي كنيسة اورشليم اللاتين، وعائلتان من الكنائس البروتستنتية الواحدة اسقفية والثانية مشيخية، يصبح المجموع ست عشرة فئة.

تعود مظاهر التعددية في الكنيسة الانطاكية الى ما قبل الانقسامات. منذ القرون الأولى عرفت انطاكية ثنائية بين العالم اليوناني والعالم السامي اللذين تعايشا داخل الحضارة الهلّينية دون أن يمتزجا. ومنذ القرن الرابع بلغ العالم السامي مستوى من التطوّر سمح له بالتباعد تدريجيًا عن توأمه اليوناني. وفي القرن الخامس تكرّس هذا التباعد عندما انفصلت الكنيسة السريانية الشرقية (النسطورية) اثر مجمع افسس، وتبعتها الكنيسة السريانية الغربية (اليعقوبية) اثر مجمع خلقيدونية. وفيما بعد انفصلت أيضًا الكنيسة الأرمنية التي رفضت قرارات المجمع المذكور.

الجدير ذكره أن الأسباب التي دعت إلى تحول فروع عن الأصل الإنطاكي لم تعد قائمة لأنها كانت في الأساس ثقافية واستتبعت وضع إطار جغرافي لم يعد له اثر وذلك لسببين: الوحدة السياسية التي تشغل العالم العربي اليوم، والثقافة العربية التي تغدو اكثر فاكثر شمولاً.

ان وجه الكنيسة اليوم يختلف عمّا كان عليه فيما سلف. فالشعب يتوحّد بالرغم من انتماءاته الطائفية المختلفة. والشعب الموحّد يتوق إلى أن يصبح شعب الله الواحد أي الكنيسة الواحدة الجامعة. فسر الكنيسة لا يسطع في كل مؤمن بمفرده أو في كل جماعة مسيحية على حدة. الحقيقة الكنيسة هي أمانة كلية في الروح القدس وأمانة نسبيّة في هياكلها البشرية الحيّة.

كنائسنا على تفرّقها في وضعها الحالي تشكو من الفقر الروحي لأنها خصوصية.

خلاصة

المسيحية رسالة سماوية وشهادة إنسانية. عمل الإنسان ملازم للعمل الإلهي في صناعة التاريخ لذلك شاب تاريخ المسيحية في الشرق كما في الغرب بعض الثغرات التي تعود الى ضعف الانسان. ان ضعف الوجود المسيحي وتضاؤل دوره لم يتأت فقط من المضايقات والاضطهادات الخارجية بل كان ايضًا نتيجة انقسامات داخلية تداخلت في أسبابها عوامل اللاهوت والناسوت.

عانى المسيحيون في الشرق الاضطهادات فتعالوا فوق الجراح مشدودين بسمو رسالتهم وساهموا في صناعة تاريخ هذه المنطقة وفي تفاعل حضاراتها وإثرائها وذلك بالرغم من انهم لم يشاركوا كثيرًا في الحكم.

صحيح ان الوجود الديموغرافي المسيحي في البلدان العربية اصبح ضعيفًا ولكن لو أمعنا النظر في تحليل المعطيات التاريخية لوجدنا أن هذا الأمر ليس نهائيًا وان الفعالية لا تقوم فقط على الكمّ بل على النوع. شهادات المسيحيين الأوائل في اورشليم وانطاكية والاسكندرية لم تعد على وجودهم العددي بل على سمو الشهادة التي أدوها حتى الاستشهاد أحيانًا، فكانوا كالخميرة في العجين.

مما لا شك فيه ان تاريخ المسيحية في الشرق تفاعل مع تاريخ الإسلام وتأثر سلبًا بانتشاره الجغرافي والديمقوغرافي، لكنّه تأثر سلبًا بعدم أمانة المسيحيين لرسالة الخلاص التي ائتمنوا عليها. لو عدنا الى تاريخ الكنيسة لوجدنا أن بين المسيحيين والمسيح كان هناك تفاوت هائل تخجل منه الضمائر الحيّة وتضطرب له النفوس. لو قوبلت حياتهم بإنجيله لظهر الكثير منهم في حالة نفاق. اول ما يعيّرنا به الانجيل هو الانقسام. أرادنا المسيح كنيسة واحدة جامعة فأصبحنا طوائف متفرقة. نعترف بتجسّده في الإنسان وتتضارب آراؤنا حول نوع هذا التجسّد. نقول ان المحبّة وحدها تحيي وكنائسنا لم تعرف بعد المصالحة. السكوت عن هذا الواقع هو استسلام له وكل استسلام هو خيانة لروح الإنجيل تبعدنا عن سرّ الخلاص.

في الختام عودة الى شهادتين في أصالة وأهمية دور المسيحيين العرب وضرورة استمرار هذا الدور وتنميته. الشهادة الأولى للأمير طلال بن عبد العزيز آل سعود وقد صدرت في جريدة النهار في 29 كانون الثاني 2002، ويقول فيها: "يتعرّض العالم العربي لنزيف بشري اجتماعي وثقافي وسياسي واقتصادي على جانب كبير من الخطورة: هجرة العرب المسيحيين التي لم تنقطع منذ أعوام عدّة... لا بدّ من وقفة للمراجعة مع أسباب هذه الهجرة القاتلة للنسيج العربي... كان المسيحيون العرب ولا يزالون، نتيجة لثقافتهم المتنوّعة المناهل، يخلقون تحدّيًا مستمرًا للثقافة والفكر، وهجرتهم تلغي هذا المعنى باعتباره تنوعًا غنيًا... عندما نتحدث عن وجود المسيحيين في العالم العربي نعني بقاءهم فيه. فهم من عناصر التكوين الأولى التي يمنع بقاؤها قيام بيئة تفترس التعصّب والتطرّف وبالتالي العنف المؤدي إلى كوارث تاريخية... بقاؤهم ترسيخ للدولة العصرية المتعدّدة العنصر والمتنوعة في وحدتها، ونفي قاطع لعنصرية الدولة... بقاؤهم خيار عربي باعتماد الديمقراطية وانتهاجها في الاحتكام إلى الإنسان والمواطن والعقل والحق والحرية والإبداع.

الشهادة الثانية لغبطة البطريرك اغناطيوس الرابع هزيم ويقول فيها: "انه لامر جوهري ان يكون المسيحيون في قلب المعاناة لعذابات بلدانهم، بالصبر لكن بالشجاعة، فلا يشكّلون كنيسة السلوك الانفعالي والخصوصيات الاتنية واللغوية يتشبّثون بها محافظة على البقاء بل كنيسة مذرورة كالملح تفتّش اكثر عن هويتها عبر دعوة الرّبّ لها.

في الشهادتين دعوة الى الامانة في استمرارية رسالة المسيحية على هذه الارض المباركة التي نشأت فيها كنيسة العرب واستمرّت بالرغم من العوائق والصعاب. هلاّ لبّينا الدعوة وانزلنا كنيستنا من على صليب انقساماتنا؟ لقد طال زمن الجلجلة ولا زمن قيامة الا بالشهادة الحقّة للمسيح الحي الذي وطأ الموت بالموت ليجعل منّا ابناء الحياة. فلنستمد من رسالته الخلاصية العزم والقوّة ولندحرج الحجر عن القبر والاّ لن ترتفع لنا في الشرق قامة ولن تكون لنا القيامة.

_______________

البطاركة الموارنة في كتابات الرحّالة الغربيين

ارتبط تاريخ البطريركية المارونية بتاريخ لبنان منذ أواسط القرن العاشر، عندما انتقل مركز الكرسي البطريركي نهائيًا من سوريا الشمالية إلى جبل لبنان على اثر دمار دير القديس مارون على نهر العاصي. انكفأ الموارنة على ذاتهم وتحصّنوا أجيالاً في جبال لبنان الشمالية وفي وديانه هربًا من الظلم والاضطهاد، وخاصة عندما تحوّل لبنان وسوريا وفلسطين ساحة نزاع بين العبّاسيين والفاطميين والأتراك السلجوقيين.

كانت الحملات الصليبية منطلقًا لاهتمام الغربيين بالموارنة وسانحة مكّنت هؤلاء من الاتصال بروما بواسطة سفن الإفرنج.

الرحّالة وتقاليدهم

تنوعت الأسباب التي دفعت بالرحّالة الى قصد لبنان وزيارة البطريرك الماروني. منهم من كانوا قصّادًا رسوليين أرسلهم البابوات بمهمات خاصة الى جانب الموارنة، كالكاردينال بطرس الذي سلّمه البابا اينوشنسيوس (زخيا) الثالث سنة 1203 رسائل الى البطريرك ارميا العمشيتي، 1199 1230، والاب يوحنا اليانو  G.B.Elianoاليسوعي الذي ارسله البابا غريغوريوس الثالث عشر، 1572 1585، الى البطريرك مخائيل الرزي ، 1567 1581، سنة 1578 ثم سنة 1580، ليوقف قداسته على أحوال الموارنة وحاجاتهم. كذلك الأب ايرونيموس دندينيJerome Dandini  اليسوعي الذي أوفده البابا اكليمنضس الثامن ، 1592 1605، والنظر في أمر تلامذة المدرسة المارونية في روما، التي كان أبناء جمعيته مكلفين إدارتها. زار دنديني البطريرك سركيس الرزي ، 1581 1597، وتجوّل في البلاد باحثًا ومدققًا ومتوسعًا في درس الأحوال الاجتماعية والاقتصادية.

الى جانب القصّاد هناك الرهبان المرسلون الذين أقاموا في لبنان وكتبوا تقارير عديدة عن مشاهداتهم وانطباعاتهم. اعتمدنا في بحثنا على تقارير أربعة منهم زاروا لبنان في القرن السابع عشر. اوّلهم الراهب الدمينيكاني توما فيتاليThomas Vitale  الذي أمّ لبنان في عهد الأمير فخر الدين الثاني، بمهمة لم تتوضّح أسبابها تمامًا، ومن المرجّح أنه أرسل من قِبَل المجمع المقدس الى الشرق تمهيدًا لإنشاء الرسالات في أنحائه. يليه الراهب الكبوشي أوجين روجيهEugene Roger  الذي قضى خمس سنوات متنقلاً بين الأراضي المقدسة ولبنان والمناطق المجاورة، فدوّن مشاهداته وكتب تقريرين عن الموارنة وعن الدروز، كما كانت له صداقة حميمة مع المير فخر الدين الثاني. هناك أيضًا تقرير الاب جوزيف بيسونJoseph Besson، رئيس الارساليات اليسوعية في سوريا، وقد صدر في باريس سنة 1660. ثم تقرير سيلفستر دي سانت اينيانSylvestre de Saint-Aignan الذي كان رئيس الرهبان الكبوشيين في بيروت (1638)، وفي حلب (1645) حيث توفي سنة 1670، ونُشر تقريره في باريس سنة 1671 تحت عنوان: "وصف موجز لجبل لبنان المقدس وسكانه الموارنة".

كان جبل لبنان معروفًا في أوروبا بأنه ملجأ للموارنة ولبعض الأقليات المسيحية الأخرى، لذلك زاره الحجاج الاوروبيون في طريقهم إلى القدس، وقابل بعضهم البطاركة الموارنة في وادي قنوبين، فكتبوا عن انطباعاتهم. من ابرز هؤلاء الرحّالة الفرنسي كارلييه دي بينونCarlier de Pinon ، الرحّالة البلجيكي يوحنا كوتوفيكوJ. Cotovicus ، الشاعر الفرنسي لامارتين Lamartine، باتيستان بوجولا Batistin Poujoulat الذي خصص فصلاً عن لبنان والموارنة في رحلته الى الشرق، المونسنيور ميسلين Mislin، مرشد البيت المالك في فيينا واحد رؤساء بلاط البابا بيوس التاسع، وقد زار الاراضي المقدسة ولبنان سنة 1848. وفي مطلع القرن العشرين زار الاديب ورجل الدولة الفرنسي موريس بارّيس Maurice Barres لبنان وقابل البطريرك الياس الحويك في بكركي، وما كتبه عن هذه الزيارة يسمح لنا بمراقبة بعض التطورات التي رافقت المؤسسة البطريركية بعد انتقالها من دير قنوبين في وادي قاديشا الى صرح بكركي في كسروان.

هناك ايضًا التجّار او القناصل والسفراء الذين اقاموا في ربوع لبنان فترة طويلة سمحت لهم بتدوين ما عرفوه عن الموارنة وبطاركتهم. وقد اعتمدنا في بحثنا على تقارير: لوران دارفيو Laurent d'Arvieux رسول الملك لويس الرابع عشر الى الباب العالي وقنصل فرنسا في طرابلس (1679)، ثم في حلب (1681)، جان دو لاروك Jean de La Roque الذي زار الشرق ولبنان بقصد التجارة، وكتب تفاصيل رحلته الى سوريا ولبنان حيث افرد العديد من المعلومات عن الموارنة، بول لوكاس Paul Lucas الذي قام بثلاث رحلات الى الشرق بين سنة 1704 و 1744 كتاجر ثم كرسول للملك لويس الرابع عشر.

توزعت جنسية الرحّالة الذين اعتمدنا تقاريرهم في هذه الدراسة بين ايطاليا وبلجيكا واسبانيا وانكلترا ومالطا والنمسا وفرنسا، كما تنوعت أهدافهم واختلف زمن قدومهم الى بلادنا، فنظر كل منهم الى الموارنة واكليروسهم من زاوية خاصة وفي ظروف مختلفة سمحت لنا بتوضيح الصورة التي كانت لبطاركة الموارنة في أعين الاوروبيين. اعجب العديد من الرحّالة بالضيافة البطريركية، وانطبعت في أذهانهم طرق الاستقبال التي كانوا يلاقون بها عند توجههم لزيارة دير قنوبين. فلنستمع إليهم يصفون ذلك.

تقاليد الاستقبال لضيوف البطريرك

في القرن السادس عشر كان البطاركة يخرجون من دير قنوبين مع الاكليروس وجمهور الشعب لملاقاة موفد البابا.

في القرن السابع عشر بقي تقليد إرسال وفد لاستقبال ضيف البطريرك سائدًا.

كان ضيوف قنوبين غالبًا ما يزورون غابة الأرز المشرفة على وادي قاديشا، وفي سنة 1674 رافق البطريرك اسطفان الدويهي  ضيفه الفرنسي المركيز دي نوانتال  de Nointel الى هذه الغابة حيث اقيم مذبح وجرى الاحتفال بالذبيحة الالهية.

في القرن التاسع عشر كانت قد ولّت سلطة الحماديين عن جبل لبنان الشمالي، واصبح الموارنة اسياده. فخرج البطاركة من عزلتهم في قنّوبين واتخذوا مصيفًا لهم في الديمان حيث استقبل البطريرك يوسف الخازن ضيفه النمساوي المونسنيور ميسلين سنة 1845. لكن ضيق الدير لم يكن يسمح بان يبيت فيه عدد كبير من الضيوف فلجأوا الى نصب الخيام بمحاذاته.

الملاحظ ان البطريرك الخازن لم يخرج لملاقاة ضيفه على مدخل الدير، كما كان يفعل اسلافه، بل انتظره داخل الدير حيث مثل امامه وقدّم واجبات الاحترام.

ان هذا التحول في بروتوكول الاستقبال هو نتيجة للتطورات الاجتماعية والسياسية التي جعلت من الموارنة في القرن التاسع عشر، الأكثر عددّا والأقوى نفوذًا في جبل لبنان. ان ضعف نفوذ الاقطاعيين وزوال سلطة المقدمين في الشمال جعلا من البطريرك الماروني زعيمًا دينيًا وسياسيًا يجسّد في شخصه كرامة الطائفة وعزّتها، وكان البطريرك حريصًا على الظهور بهذا المظهر أمام ضيوفه الأجانب. لكنّ التحول في البروتوكول طال الشكل ولم يمس الجوهر، فبقي البطريرك يستقبل ضيوفه "بمنتهى اللطف والعطف" وبقيت المائدة البطريركية على بساطتها وسخائها.

من التقاليد الرهبانية العريقة في لبنان ان الدير ليس فقط مركز عبادة وصلاة، لكنه أيضًا ملجأ أمان وواحة هناء، يلجأ اليه المحتاج او الضيف دون حرج. في القرن السادس عشر لاحظ دنديني ان كرم الضيافة هو صفة عامة عند موارنة الجبل.

الجدير بالملاحظة انه لم تكن قد سرت بعد في الجبل عادة تقديم الطعام على طاولة، بل على بساط يفرش أرضًا ويجلس الضيوف القرفصاء حيث يؤتى بالمآكل في صحون من خشب. وكان هذا ما يزعج الضيوف الاوروبيين الذين لم يعتادوا جلوس القرفصاء، فكانوا يتمنون ان تنتهي الوليمة بسرعة لأنهم لا يطيقون القعود طويلاً على هذا الشكل.

لم تكن مائدة البطريرك تتأثر بعدد ضيوفه أو بطول مدة اقامتهم، فتحافظ على الجودة والكرم.

في القرن التاسع عشر زاد التأثير الاوروبي على المجتمع اللبناني فانعكس ذلك في حياة المدن الساحلية وفي الريف، كما برز هذا التأثير في حياة الاكليروس نفسه، كما المح اليه المونسنيور ميسلين حين لاحظ ان البطريرك يوسف الخازن كان يواجه صعوبة في مجاراة ضيفه بتناول الطعام بالشوكة والسكين. مع العلم ان الصحون لم تعد من خشب بل اصبحت من البورسلين، امّا الادوات الجديدة فمن فضة.

ان مجاراة الاوروبيين في طريقة العيش لم تقض على جوهر البساطة الذي كان يميز حياة البطاركة الموارنة، التي اتسمت بالطابع الرهباني وغلب عليها التقشّف، وذلك قبل تطور الوضع العام للطائفة المارونية والمجتمع اللبناني وانتقال المركز البطريركي من وادي قاديشا الى صرح بكركي.

بساطة العيش

لا عجب ان يكون الطابع الرهباني من السمات البارزة للبطاركة الموارنة في القرون السالفة. فالكنيسة المارونية هي أساسًا جماعة رهبانية مشت على خطى مؤسسها القديس مارون الراهب، فعاش البطاركة الأوائل في الأديار البسيطة والمغاور هربًا من الاضطهاد. وحتى في القرن السابع عشر كانوا ما يزالون يختبئون أحيانًا في مغاور وادي قاديشا تجنبًا لظلم الولاة الاتراك. اجمع الرحّالة الاوروبيون على بساطة المسكن والملبس والعيش للبطاركة الذين زاروهم.

في القرن التاسع عشر، لاحظ الرحّالة ميسلين أن الأواني الفضية دخلت مائدة الضيافة البطريركية، اما مسكن البطريرك فبقي على بساطته ولم يكن يتميّز عن غيره من البيوت الاّ بكبر حجمه.

في اواخر القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، ومع تسلّم البطاركة مقاليد الزعامة السياسية المارونية، على اثر انهيار سلطة المقاطعجيين، فقد تبدلت طرق عيشهم مع تبدل مسكنهم. ترك البطاركة مغاور وادي قاديشا الموحش وغرف دير قنّوبين المظلمة الضيقة ليستقروا في صرح بكركي القائم على تلة تشرف على آفاق البحر الواسعة. لم يعد مركز الثقل الماروني محصورًا في شمال لبنان بل انتقل الى وسطه.

اما ما يخص ثياب البطريرك فقد وصفها اوجين روجيه في القرن السابع عشر، وميسلين في القرن التاسع عشر. كانت تتميز ببساطتها، وتشبه ثياب الاساقفة، فلا تختلف عن ثياب الاكليروس العادي إلا باللون.

التنظيم الإداري

يذكر القاصد اليانو ان البطاركة والاساقفة الموارنة كانوا يُختارون بين الرهبان الحبساء.

الجدير بالذكر ان القاصد دنديني الذي زار لبنان بعد اليانو بحوالي الخمس عشرة سنة فقط ذكر انه كان يعاون البطريرك ستة أساقفة وليس اثنا عشر، كما أورد اليانو. والأرجح ان ما ذكره دنديني هو الأصح.

نستنتج من قول دنديني انه، في أواخر القرن السادس عشر كان البطريرك الماروني يدير مباشرة شؤون الطائفة على مجمل الأراضي اللبنانية ويعاونه في ذلك أساقفة ينتدبهم في مهمات لزيارة الابرشيات البعيدة، إلى ان حدد المجمع اللبناني (1736) عدد الابرشيات بثمان، على رأس كل ابرشية مطران يرعى شؤونها دون ان يكون منتدبًا من قِبَل البطريرك.

ان الرحّالة البلجيكي يوحنا كوتوفيكوس الذي زار لبنان في الفترة نفسها التي زاره فيها دنديني ، 1598 1599، لم يأت على ذكر الابرشيات، بل اكتفى بالإشارة إلى صلاحيات البطريرك الواسعة.

وفي القرن التاسع عشر، يذكر ميسلين ان الابرشيات كانت تسعًا، على رأس كل منها مطران، بالإضافة إلى ستة اساقفة شرف تابعين للبطريرك. لم يكن جميع اساقفة الشرف مقيمين في الكرسي البطريركي، بل كانوا موزعين على معاهد التعليم التي ازدهرت آنذاك ولا يبقى الى جانب البطريرك الا اثنان منهم.

ان احتفاظ البطاركة الموارنة بالصلاحيات القضائية في عهد الامير بشير يدلّ على المكانة التي كانوا يتمتّعون بها، واحترام الأمير لسلطتهم رغم سياسته المركزية في الحكم. والجدير بالملاحظة ان الرحّالة في القرنين السادس عشر والسابع عشر كتبوا خاصة عن تقوى البطاركة وتقشفهم، بينما رحّالة القرن التاسع عشر لم يركّزوا كثيرًا على نمط حياة البطاركة وبساطة عيشهم بقدر ما ركّزوا على سلطتهم الكبيرة على الشعب وعلى تزايد نفوذهم السياسي.

التقوى في ممارسة الطقوس

وجد الرحّالة الاوروبيون، الذين زاروا جبل لبنان في القرن السادس عشر، ان البساطة والتقوى والجلد على المصائب والمحن هي صفات عامة في الشعب الماروني.

في القرن السابع عشر لفتت سيرة البطريرك بطرس مخلوف انتباه الرحّالة.

لم تكن المسؤوليات الرعوية والواجبات الدينية لتمنع بعض البطاركة من الانصراف الى الأعمال اليدوية وإعطاء المثل الصالح في محاربة البطالة والرذائل التي تولّدها.

حرص أعضاء المجامع الانتخابية المارونية على ان تكون صفات التقوى والزهد من الشروط الواجب توفّرها في المرشحين لمنصب البطريركية.

العقيدة الدينية

ضاقت سبل الاتصال وضعفت علاقات الموارنة بروما بعد انسحاب الصليبيين سنة 1291. كان المماليك قد ردموا المرافئ اللبنانية لمنع الصليبيين من تنظيم غزوات جديدة انطلاقًا من قبرص وارواد ورودس، فلم يعد بإمكان بطاركة الموارنة، بسبب صعوبة الاتصال، ان يحصلوا على درع التثبيت. لكن أحبار روما استمروا في اهتمامهم بأمر الطائفة المارونية وأوكلوا إلى الرهبان الفرنسيسكان في الاراضي المقدسة السهر على شؤونها، خاصة بعدما بلغت روما اخبار عن تزايد نشاط اليعاقبة في الشمال واستمالتهم بعض الموارنة الى عقيدتهم.

في القرن السابع عشر لاحظ الرحّالة الفرنسي دو لا روك ان البطاركة الموارنة كانوا حريصين على منع البدع اليعقوبية والنسطورية من الانتشار بين أبناء طائفتهم. ولذلك اقترحوا أن يجري طبع الكتب البيعية في عاصمة الكثلكة.

البطاركة والسلطات المحلية

يمكن الاستنتاج من كتابات الرحّالة الموارنة في القرن السادس عشر، اقتصرت على الأمور الدينية في الطائفة، بينما كانت الأمور الزمنية من نصيب المقدّمين أصحاب النفوذ الكبير، الذين شاركوا أيضًا في إدارة الشؤون الدينية، فحضروا المجامع لمناقشة أمور الإيمان أو انتخاب بطريرك جديد. كان المقدمون حريصين على ممارسة صلاحياتهم كاملة ومشاركة البطريرك والاساقفة في مسؤولية إدارة الطائفة، إذ كان لمنصبهم صفة دينية، فاعتبروا بمثابة شمامسة وحملوا لقب "شدياق".

في القرن السابع عشر، لاحظ الرحّالة اوجين روجيه انه الى جانب الاكليروس والمقدمين، كان يشارك في انتخاب البطريرك ممثلون عن الشعب.

في النصف الاول من القرن التاسع عشر، لاحظ الرحّالة بوجولا ان المجمع المنعقد لانتخاب البطريرك يقتصر على رجال الاكليروس دون مشاركة الشعب.

كان البطاركة الموارنة يتعرّضون احيانًا، بعد انتخابهم، لمضايقات بعض المقدمين المستبدين. كذلك كان الحماديون الشيعة يضايقون البطاركة في الشمال.

اذا تعرّض البطاركة الموارنة لظلم الاتراك واستبداد المقدمين او المشايخ الحماديين، طلبوا حماية فرنسا او مساعدة الكرسي الرسولي. انما كانوا يفعلون ذلك انطلاقًا من رابطة الانتماء الديني، على اعتبار ان فرنسا هي حامية الكاثوليك في الامبراطورية العثمانية، والبابا هو رأس الكنيسة الجامعة التي ينتمي اليها الموارنة.

البطاركة والكرسي الرسولي

يظهر، من خلال كتابات الرحّالة، انهم لم يجمعوا على تاريخ تعلّق الطائفة المارونية بالكرسي الرسولي، واعتراف بطاركتها بسلطة البابا. لكن ما كتبه العديد من المرسلين يتفق مع ما كتبه المؤرخون الموارنة حول نشأة الطائفة وخضوع بطاركتها الدائم للكرسي الرسولي.

كان البطريرك جرجس عميره ، 1633 1644، أول تلميذ للمدرسة المارونية في روما يتبوأ الكرسي البطريركي، ومن الطبيعي جدًا ان ينسج على منوال أسلافه في توثيق الروابط مع الكرسي الرسولي.

غير ان تعلّق البطاركة بالبابا واخلاصهم للكنيسة الجامعة جلب لهم المتاعب من قِبَل السلطات العثمانية التي كانت تنظر بعين الريبة الى هذه العلاقة وتنعت الموارنة أحيانًا "بالفرنجة"، وأحيانًا "باتباع البابا".البطاركة الموارنة لم يكونوا يطلبون، عقب انتخابهم، فرمانًا سلطانيًا يثبت شرعيتهم، بل براءة بابوية، وهذا كان من شأنه ان يزيد في شك العثمانيين في إخلاصهم للباب العالي. كما ان العثمانيين كانوا ينعتون مبعوثي البابا "بجواسيس روما"، ويعتبرون ان البطاركة الموارنة المتحدين بروما هم شركاؤهم في هذا المجال.

البطاركة والمرسلون الكاثوليك

ان حسن استقبال البطاركة الموارنة لموفدي البابا والرهبان الأوروبيين المرسلين في الشرق لم يكن يمنعهم من الاحتجاج أحيانًا على تصرّف روما أو بعض مبعوثيها.

لم يكتف البطريرك سركيس بالاحتجاج على تصرّف مبعوث البابا بل اشتكى أيضًا من تأخر البابا اكليمنضس الثامن نفسه "وعدم التفات قداسته لعرائضه وإجابة ملتمسه بخصوص تثبيته بلقب الكرسي البطريركي القديم اي البطريرك الانطاكي". كان ينتظر منه براءة رسمية مستوفية تبيّن حقيقة معتقدهم واتحادهم بالكنيسة منذ القدم كأسلافه.

جسّد البطاركة الموارنة اخلاصهم لعاصمة الكثلكة في تعاملهم مع أعضاء الارساليات الكاثوليكية في لبنان، من كبّوشيين وفرنسيسكان او يسوعيين. فقد سهّل لهم البطاركة اعمال الرسالة وعاملوهم بكل تقدير.

في اواسط القرن السابع عشر، اعطى البطريرك يوحنا الصفراوي تصاريح خطية للمرسلين اليسوعيين ليسمح لهم كهنة الرعايا الموارنة بالقاء المواعظ وسماع الاعترافات في مختلف انحاء البلاد.

لكن ارشيف الرهبنة الكبّوشية يشير الى ان العلاقات بين البطاركة الموارنة وبين المرسلين لم تكن دائمًا على ما يرام. فبعض رجال الاكليروس الماروني كان يرى انه أجدى بالمرسلين التبشيربين الملحدين او بين المسيحيين غير المتحدين بروما، وترك النشاط الرسولي بين الموارنة لكهنة الطائفة.

ان المنافسة بين الاكليروس الماروني والاكليروس اللاتيني، التي اشار اليها الرحّالة، لم تكن قائمة على جوهر الدين وامانة العقيدة، بل على الممارسة الطقسية. وقد وعى البطاركة والاكليروس الماروني، بعد تأسيس مدرسة روما وتزايد نشاط المرسلين في لبنان، خطر تيّار الليتنة الذي كان يتزايد في الطائفة فيضفي على الطقس الماروني الطابع الغربي ويطمس تدريجيًا طابعه الشرقي الانطاكي. فكانت ردّة الفعل السلبية تجاه بعض المرسلين الذين ساروا في خط الليتنة نتيجة هذا الوعي، وذلك حفاظًا على التراث الانطاكي والاصالة التاريخية للطائفة.

الخلاصة

صورة البطريركية المارونية، في كتابات الرحّالة الاوروبيين، هي انعكاس لتاريخ الشعب الماروني نفسه. فرحلة الالف ميل التي قام بها البطاركة الموارنة من دير قنوبين في وادي قاديشا الى صرح بكركي في قلب كسروان وعلى مشارف العاصمة بيروت، تزامنت وتوافقت مع الانتشار الماروني في مختلف انحاء لبنان انطلاقًا من شماله.

بدأت الكنيسة المارونية تنمو وتزدهر تحت رعاية الزعماء الاقطاعيين الذين شجّعوا رجال الاكليروس وساعدوه على تأمين الخدمات الدينية لرعاياهم، ورحبوا بالمشاريع الاقتصادية للرهبانيات في مناطقهم. كما ان مدرسة روما المارونية مكّنت الطائفة من تحقيق قفزة نوعية اعطتها دفعًا جديدًا وظّفته في الداخل وفي الخارج، فزاد من شأن الطائفة ومن مسؤوليات بطاركتها.

لفت الرحّالة دور الريادة والقيادة للبطاركة الموارنة، كما ابدوا إعجابهم بتقواهم وبساطة عيشهم وتمسكّهم بالكرسي الرسولي في روما. ولكن ما تجدر الإشارة إليه هو ان الرحّالة فاتهم دور الرهبانيات القانونية المارونية التي نشأت في اواخر القرن السابع عشر ولعبت دورًا كبيرًا، الى جانب البطريركية المارونية، في توسيع الانتشار الماروني وترسيخه على أسس اجتماعية واقتصادية ثابتة. لقد ساهمت الرهبانيات، بصورة غير مباشرة، وعن طريق امتلاك الأراضي الواسعة وتشغيل عدد كبير من الشركاء، في تقويض الزعامة التقليدية الاقطاعية، فبرز البطريرك الماروني كزعيم سياسي بديل بعد زوال سلطة المقدمين وضعف سلطة المشايخ الاقطاعيين الموارنة.

ونلاحظ، من خلال كتابات الرحّالة، التي تتوافق مع الواقع التاريخي، ان القرن الثامن عشر هو عصر التحولات المهمة في تاريخ البطريركية المارونية. فقد تزامن فيه الوعي للذات المارونية على الصعيد الديني مع ترسّخ النفوذ السياسي للطائفة في جبل لبنان:

مدرسة عين ورقة، التي تمثل الوعي لخصائص الذات المارونية الانطاكية، تأسست في النصف الثاني من القرن الثامن عشر.

الطبقة الاقطاعية التي كانت تحدّ من نفوذ البطاركة والاكليروس الماروني بدأت بالانهيار في اواسط القرن ايضًا.

الامراء الشهابيون، حكّام الجبل تنصّروا وكذلك اللمعيون، وهذا ما زاد من هيبة البطاركة الموارنة ومن سلطتهم.

ان التحولات الاجتماعية التي جرت في القرن الثامن عشر مع انعكاساتها الدينية والسياسية، جعلت صورة البطريرك الماروني تتبدّل في كتابات الرحّالة الاوروبيين. كانت ملاحظات الرحّالة احيانًا سطحية ولا يمكننا الاكتفاء بها لرسم صورة حقيقية للبطريركية المارونية، بل علينا العودة الى ارشيف روما وارشيف بكركي والمؤسسات الدينية الاخرى. لم يتمكن الرحّالة دائمًا من الغوص إلى الأعماق وفهم خصائص الطائفة المارونية او غيرها من الطوائف الشرقية، فأرادوا بأكثريتهم ان يكون المسيحيون الشرقيون صورة طبق الاصل عن المسيحيين الغربيين. لقد فاتهم ان في الطوائف الشرقية الانطاكية من الأصالة ما يُغني الكنيسة الغربية دون المساس بجوهر العقيدة.

_______________

دور المدرسة المارونية في خلق ذهنية انفتاح على مختلف المذاهب والطوائف اللبنانية.

تلازم تاريخ المارونية مع تاريخ لبنان، منذ ان وجد الموارنة في الجبل مرتع حرية وملجأ امان، فهجروا الى شماله وكان لهم فيه الملاذ المستقر. في وهاد لبنان وصروده حافظت الجماعة على ذاتيتها وانشأت لها الكيان فأمكن القول: "ان المارونية ولبنان صنوان". ارتبط الاثنان بعروة مصيرية اشتد وثاقها مع صروف الدهر وتجارب الزمان، فما جرى تصوّر لتاريخ لبنان الحديث بلا دور الموارنة فيه، وما لهج أحدهم بالموارنة إلا ذكر لبنان، حتى وصف بعضهم هذا الرابط بانه "زواج ماروني" لا طلاق فيه ولا تعدد أزواج.

اذا قيد للموارنة ان يتحصنوا أجيالا في الوديان والجبال منكفئين على ذاتهم هربًا من الاضطهاد، فان مدرسة روما المارونية ساعدتهم على تحقيق قفزة نوعية أشرقت فيها إطلالتهم على الغرب عبر مساهمتهم الفعالة في التبادل الثقافي وفي تعريف الغرب بأصالة الشرق. كما ان مدرسة روما شجعت الموارنة في انفتاحهم على الفئات اللبنانية الأخرى، مسيحية كانت ام اسلامية، فساهموا، عبر تاريخهم الحديث، في خلق ذهنية سياسية لصيغة تعايش منفتحة على مختلف الطوائف والمذاهب.

في نهاية القرن الثالث عشر، بعد سقوط آخر معاقل للصليبيين في الشرق على أيدي المماليك انكفأ الموارنة الى شمالي لبنان بينما هاجر قسم آخر الى جزيرة قبرص التي بقيت بأيدي الفرنجة. في زمن المماليك بقي لبنان، كما كان، ملجأ الأقليات في المنطقة. ولكن بعد قيامهم بحملة تأديبية على كسروان سنة 1305، حيث كان معظم سكانه من الشيعة الامامية، نمت للمماليك السيطرة التامة وقضوا على الشيعة المتمردين. لكنهم ضيقوا ايضًا على سكانه المسيحيين، وخربوا كنائس وأديرة كثيرة للموارنة، ومنها دير مار شليطا مقبس في غوسطا. وبما ان المناطق الكسروانية أخذت من الشمال، عرف كسروان الشمالي منذ ذلك الوقت باسم "فتوح كسروان" او "الفتوح".

اقتطع المماليك كسروان لآل عساف بدلاً من قراقوش وهم من القبائل السنية التركمانية الاصل. امتد اقطاع العسافيين من حدود بيروت حتى جبيل، فشجعوا عودة الموارنة الى كسروان كما تساهلوا ايضا مع الشيعة فعادوا الى بعض القرى الكسروانية. كان آل عساف السنيون يحكمون مناطقهم بمساعدة آل حبيش الموارنة وآل حماده الشيعيين، فقامت في ظل دولتهم اول مشاركة طائفية في الحكم، تحققت في جبل لبنان، وذلك مع دخول مناطق سنية ومارونية وشيعية للمرة الاولى، تمت زعامة محلية واحدة هي الزعامة السنية.

ومما ساهم في تكاثف موارنة الجبل، هجرة موارنة الساحل اليه لان المماليك ردموا المرافئ اللبنانية بعد انسحاب الصليبيين سنة 1291، لمنعهم من تنظيم غزوات جديدة انطلاقًا من قبرص وأرواد ورودس. وهذا مما أدى إلى تأخر تجارة السواحل اللبنانية وانتقال العديد من سكانه الى الجبال. لذلك اصبح تاريخ لبنان في القرن الرابع عشر، تاريخ مناطقه الجبلية بالدرجة الاولى.

تمكن الموارنة من تثبيت وجودهم في بلاد جبيل وكسروان، مستفيدين من الصراع الاقطاعي الذي اشتد بين التنوخيين الدروز في الشوف والعسافيين السنة في كسروان، مما أدى في النهاية إلى ضعف الفريقين وتمكين الموارنة من السيطرة نهائيًا على كسروان الذي اصبح معقلا مارونيا أساسيا ونقطة انطلاق في الاتجاه الماروني نحو المناطق الدرزية في الشوف والمناطق الشيعية في الجنوب. ولكن، في القرن الخامس عشر، تعرّض نزوح الموارنة نحو بلاد جبيل وكسروان الى تجميد بسبب انتشار القبائل الشيعية الحمادية في بلاد جبيل والمنيطرة وجبّة بشري والبترون، كما انعكس ذلك الوضع على التغيير الدائم لمركز البطريركية المارونية.

أما بشأن العلاقة بين الكنيسة المارونية والكنيسة اللاتينية، فقد ضعفت، بطبية الحال، بعد خروج الصليبيين نهائيًا من بلاد الشام، ولم يعد بإمكان بطاركة الموارنة، بسبب صعوبة الاتصال، ان يحصلوا على درع التثبيت من البابوات في روما. فتضعضعت أحوال الطائفة، وتضاءل شأنها بالنسبة لغيرها من الطوائف المسيحية في الشرق. لكن أحبار روما استمروا في اهتمامهم بأمر الموارنة، وأوكلوا إلى الرهبان الفرنسيسكان، في الاراضي المقدسة في بيروت، أمر السهر على شؤون الكنيسة المارونية.

بدأ التأثير الروماني المباشر في الأوضاع الداخلية للطائفة المارونية مع انعكاساته على علاقتهم بالطوائف الأخرى، قبل إنشاء المدرسة المارونية بأكثر من قرن، حين أرسل الرهبان الفرنسيسكان، سنة 1470، ثلاثة شبان موارنة الى ايطاليا ليتلقوا علومهم هناك وينخرطوا في سلك الرهبنة الفرنسيسكانية. وكان من بينهم جبرائيل بن القلاعي اللحفدي الذي عاد الى لبنان سنة 1493، وعين مرشدًا للبطريرك الماروني شمعون ابن حسان الحدثي في قنوبين. وقد ساعد ابن القلاعي البطريرك في القضاء على نفوذ اليعاقبة آنذاك بين موارنة بشري.

مع الفتح العثماني سنة 1516، وبداية حكم المعنيين في الشوف، بدأت مرحلة أساسية في العلاقات الدرزية المارونية، خاصة في عهد الأمير فخر الدين المعني الثاني، حيث وضعت الأسس لتكوين لبنان الحديث، القائم على التعايش بين مختلف فئاته المجتمعية. ساعد الموارنة فخر الدين في مشروع توحيد الأرض، فكانوا مستشاريه المخلصين وجنوده البواسل وسفراءه الى اوروبا حيث طلب العون. لم يكن التعاون الدرزي الماروني في زمن فخر الدين ليأخذه أبعاده الداخلية والخارجية لولا مساهمة روما في ذلك ودور المدرسة المارونية فيها.

كانت البابوية ترمي من وراء إنشاء المدرسة في روما، الى دعم الكنيسة المارونية ومعها الكنائس الشرقية الأخرى في وجه المد البروتستنتي الذي زعزع وحدة الكنيسة الغربية وزادها انشقاقًا على انشقاق. كما كانت تهدف أيضا إلى نشر الديانة الكاثوليكية في أوساط غير المسيحيين في الشرق تعويضًا عما خسرته في حركة الانشقاق اللوثرية والكلفينية. لذلك شجع البابوات الموارنة في انفتاحهم على الدروز وعلى الطوائف الأخرى الإسلامية، أملاً في استمالتهم إلى الدين المسيحي.

انسجاما مع سياسة الانفتاح على الدروز، دخل الموارنة في جيش فخر الدين، لا بل شكلوا عماد هذا الجيش في مشروع اتمام الوحدة اللبنانية والدفاع عن ارض الوطن.

تجلى التعاون الدرزي الماروني بأبهى صوره سنة 1609.

إن من أسباب الانتشار المسيحي في المناطق الدرزية تشجيع الدروز انفسهم له، اذ كانوا يركنون اكثر الى مجاورة المسيحيين من مجاورة الشيعة. لذلك عمد الدروز على اقامة حزام مسيحي في الضيع القائمة على الخط الممتد بين صيدا وجزين، لاتقاء خطر شيعة الجنوب.

تجلت ايضا رسالة مدرسة روما، بتشجيع سياسة الانفتاح على الطوائف الشرقية المنشقة، ومساعدتها على الاتحاد بروما، وعلى الإقامة بأمان في مناطق جبل لبنان التي يكثر فيها الموارنة ويمكنهم تقديم العون والحماية.

لا يسعنا الكلام عن اثر المدرسة المارونية في المجتمع اللبناني، دون التركيز على دور الرهبانية المارونية، في المساهمة المباشرة والأساسية، بتحقيق صيغة التعايش بين الطوائف. قبل المدرسة المارونية، كانت الحياة الرهبانية في لبنان مقتصرة على عباد ونساك يعيشون مستقلين في اديار ومحابس حسب تقاليد رهبانية قديمة تعود في أصولها الى القديسين انطونيوس الكبير وبوخوميوس وباسيليوس. ومع النهضة التي شهدتها الطائفة المارونية في القرن السابع عشر، على اثر إنشاء مدرسة روما، جرى تنظيم الحياة الرهبانية في مؤسسات قانونية، بدأت في الكنيسة المارونية ثم تبعتها الكنيسة الملكية مباشرة.

بعد تأسيس الرهبانيات القانونية، انتشرت الأديار المارونية الجديدة في المناطق المسيحية، والمنطق الدرزية على السواء. وانصرف الرهبان إلى عمل الأرض فاستصلحوا البور منها، وحولوه إلى جلول خصبة وجنائن غناء. بهذه الصفة لاقوا التشجيع من المقاطعجيين الدروز، لتأسيس الاديار في مناطقهم، والمساهمة في عمرانها وازدهارها. فالضريبة في عهد الامارة، لم تكن مفروضة على الارض بل على انتاجها الزراعي، وباستصلاحهم الارض في المناطق الدرزية، كان الرهبان يساهمون في ارتفاع المداخيل الضريبية، وتزايد حصة المقاطعجيين منها.

الدير في مفهوم الموارنة "ليس بيت صلاة وعمل فحسب"، بل "هو قلعة عقيدة ومنطلق رسالة". فمع انتشار الأديار في الشوف والجنوب، انتشر المسيحيون كشركاء في الأراضي التي امتلكتها واستصلحتها الرهبانيات في هذه المناطق.

كان للانتشار المسيحي اثره الكبير في التحولات الاجتماعية التي حدثت في جبل لبنان، مما استتبع تحولات سياسية لم يشهد لها تاريخ الشرق، وحتى تاريخ الغرب مثيلا. من أهم هذه التحولات، انتقال ابرز عائلة درزية وابرز عائلة سنية الى الطائفة المارونية في مطلع القرن الثامن عشر، وهما عائلتا الأمراء اللمعيين والأمراء الشهابيين.

لقد كان من الطبيعي، ان توظف الطائفة المارونية طاقاتها الاجتماعية والاقتصادية في سبيل تقوية نفوذها السياسي والسيطرة على مقاليد الحكم في الجبل.

مع الانتشار الماروني، في الوسط وفي الجنوب، اصبح اسم "جبل لبنان" شاملا كل مناطق الجبل. كان هذا الاسم يطلق فقط على المنطقة الشمالية التي استوطنها الموارنة، بينما سميت المنطقة الدرزية بجبل الدروز او جبل الشوف. في القرن التاسع عشر، درجت تسمية جبل لبنان للدلالة على مجموع البلاد التي كانت تحت الحكم الشهابي، من عكار الى صيدا، بما في ذلك المناطق غير المارونية.

بعد هذه اللمحة السريعة، عن دور المدرسة المارونية في خلق ذهنية سياسية لصيغة تعايش منفتحة على مختلف الفئات اللبنانية، نرى ان سياسة روما، التي عبرت عنها من خلال المدرسة، كانت وما تزال سياسة الانفتاح والعيش المشترك مع بقية الطوائف. اعطت هذه السياسة ثمارها، اذ توافقت مع أهداف الموارنة وقدرتهم على التكيف، فانتشروا في مختلف المناطق ذات الاكثرية الدرزية، الشيعية او السنية. جرى هذا الانتشار بشكل طبيعي، وبتشجيع احيانا من بقية الطوائف، خاصة في عهد الامير فخر الدين المعني الثاني. كان الانتشار الماروني نتيجة لعوامل اجتماعية، اقتصادية وسياسية ساعدت الموارنة على تسلم مقاليد الحكم في جبل لبنان في عهد الأمراء الشهابيين.