أوغست باخوس
النائب الراحل أوغست باخوس.
محام ونائب لبناني سابق.
أحد مؤسسي الحزب الديمقراطي والكتلة البرلمانية المستقلة وتجمّع النوّاب الموارنة المستقلين.
ولد في البوشرية، قضاء المتن، في السنة 1923.
رجل العلم الذي لا يعرف المسايرة، والسياسي ذو الفكر الوطني الأصيل والاسلوب المرن، الذي لا يتراجع عن مبادئه، ولا يتكلّم إلا بالصدق والعمق والجدية والدقّة.
وكما معبد باخوس العمود الفقري في قلعة بعلبك الخالدة، هكذا أوغست باخوس عرفه المجلس النيابي عمودًا فقريًا تفتّحت على يديه براعم الكثير من التشريعات والقوانين المتميّزة بالعدالة والمنسجمة مع تطورات العصر وتطلعات اللبنانيين وحاجات الوطن.
ترعرع يتيم الأب بعد أن فقده وهو في الثامنة من عمره.
عاش في أحضان عائلة من سبعة أولاد، كان الثاني بينهم لكنّه فعليًا لعب دور الولد البكر ورب العائلة ومعيلها، وقد حضن إخوته كوالد وأخ وصديق.
أما والدته فتميّزت بصلابتها وقوة إيمانها ودفء محبتها لعائلتها وشدّة اعتنائها بأطفالها بحيث أنها لم تكن تعرف لغة سوى التضحية بلا حدود.
كل هذه المآسي التي اختبرتها طفولته، تحولت مع الزمن إلى مصدر قوة ومنجم عنفوان وخبرة إنسانية واجتماعية انعكست صدقًا وإدراكًا وعزيمة لا تقهر لاسيما عندما يكون الحق هو المحور والعدالة هي المطلب.
توزّعت دراسته بين مدرسة الفرير في محلة الجميزة ومدرسة الحكمة في الأشرفية.
وفي الوقت عينه عمل في حقول ساحل المتن في توضيب الحمضيات وتعبئة الصناديق الخشبية للمزارعين.
لم يعرف يومًا حياة طفولية أو مراهقة عادية كسواه من الشبّان.
لقد تحمّل المسؤولية منذ أولى لحظات تفتّحه على الحياة، وعاش حياة مرهقة وصعبة في ظروف ضاغطة ومعقّدة ومع ذلك قرر كمعبد باخوس البعلبكي الصمود بوجه كل الصعاب والمحن وغدرات الزمن.
بعد المدرسة التحق بجامعة القديس يوسف وأنجز تخصصه حائزًا شهادة الحقوق وتدرّج محاميًا في مكتب النقيب إدمون كسبار.
واكب كل التحوّلات التي عاشها لبنان خلال القرن العشرين.
ورغم صغر سنّه ربطته صادقة متينة بعدد وافر من السياسيين الذين لمعت أسماؤهم في سماء الوطن المولود حديثًا لاسيما الرئيسين بشارة الخوري ورياض الصلح والنائب والوزير إميل لحود والقانوني ديمتري الحايك وموريس الجميّل وابراهيم عبد العال.
كذلك تعرّف على الزعيم أنطون سعادة.
تعاطى منذ نشأته بموضوعية وتجرّد مع التحولات الداخلية التي عاشها لبنان خلال تاريخه المعاصر.
من هنا نجده مقربًا من رموز وطنية هي على تماس في الخيارات والاتجاهات السياسية.
فكان بداية وفي زمن الاستقلال صديقًا لعدد من أركان الدستوريين كما مع زعماء الكتلة الوطنية.
وبذلك كشف عن نضج سياسي ووعي وطني منذ بدايات شبابه.
في الثامنة والعشرين من عمره انتخب رئيسًا لبلدية الجديدة – البوشرية – السد وهي ثاني بلديات لبنان الكبرى.
وبقي يشغل هذا المنصب سحابة ثلاث عشرة سنة.
عام 1968، ترشّح للنيابة في دائرة قضاء المتن منفردًا ضد "الحلف الثلاثي" الذي كان يرأسه الرئيس كميل شمعون والعميد ريمون إده والشيخ بيار الجميّل.
أسس الحزب الديمقراطي مع جوزف مغيزل وباسم الجسر والدكتور إميل بيطار والدكتور سعيد لاوند مع مجموعة تقدّر بحوالي 300 طبيب ومحام ومهندس.
وقد اعتنق الحزب العلمنة والاشتراكية المعتدلة ورفض الطائفية والمذهبية.
عام 1972، فاز في الانتخابات النيابية وترأس لجنة الإدارة والعدل النيابية، وقد شارك في إنشاء الكتلة المستقلة.
وعندما انقسمت بيروت إلى جبهتين بسبب الأحداث، تعذّر اللقاء بين أعضاء الكتلة فتم الاتفاق على العمل كل في حيطه ومنطقته.
في شباط من العام 1978، ولد تجمّع نواب الموارنة المستقلين وكانت الاجتماعات تتم في مكتبه في البوشرية طيلة اثني عشر عامًا.
شارك في مؤتمرات محلية وإقليمية ودولية عدة وقد مثّل لبنان فيها أرقى تمثيل، بحيث أن سعة اطلاعه ودقّة ملاحظاته وموضوعية مداخلاته تركت آثارًا بارزة على فكر الحاضرين والتوصيات الختامية.
وندوة الخبرات الاشتراعية التي انعقدت في عدن في الأول من آذار 1985 خير شاهد على موقع هذا المشرّع اللبناني ذي الحجم العالمي، وقد مثّل لبنان في تلك الندوة التي عقدها الاتحاد البرلماني العربي في إطار وفد رسمي ترأسه الرئيس أمين الحافظ وشارك فيه النواب رفيق شاهين وميشال معلولي إلى جانب باخوس، الذي شارك مع ممثلين للبنان وسوريا واليمن الديمقراطية في صياغة المقررات الختامية.
ويعود له الفضل خصوصًا في جعل المؤتمر يعرض للوضع المأساوي السابق في لبنان ويعلن حرصه على استقلاله ووحدة أراضيه وسيادته الشرعية على كل شبر من أرضه، كما سعى في دعوة المؤتمر إلى مضاعفة الدعم العربي للصمود اللبناني في وجه الاحتلال الإسرائيلي.
كذلك في اواخر آذار 1982، مثّل لبنان في مؤتمر الاتحاد البرلماني العربي المنعقد في بغداد.
ونتيجة لمساعيه الحثيثة وافق مؤتمر البرلمانيين العرب في بغداد في توصياته الشهيرة على البنود التالية:
- التأكيد على أن حرية الشعب هي الطريق الأساسي في إقامة النظام الديمقراطي.
- التأكيد على أن الديمقراطية وسيلة من الوسائل لتحقيق اتحاد البلاد العربية وسلاح فعال في وجه العدو المشترك.
- دعوة البلدان العربية التي ليس لديها حتى الآن دساتير لوضعها تحقيقًا للتقدم الاجتماعي والديمقراطي لشعوبها.
- الدعوة لإقامة المجالس البرلمانية في جميع الأقطار العربية.
- فتح باب الترشّح للبرلمانات لكل المواطنين الذين تتوافر فيهم الشروط المطلوبة ودون شرط الانتساب لحزب او جهة سياسية معيّنة.
- العمل على توحيد قوانين الانتخاب في الأقطار العربية وتوحيد المصطلحات القانونية البرلمانية.
- الأخذ بمبدأ الاقتراع السرّي.
وقد أذاع أوغست باخوس شخصيًا هذه التوصيات.
في آذار 1985، توجه إلى روما في زيارة لبنانية رسمية للكرسي الرسولي في الفاتيكان ضمن وفد نيابي تم تشكيله من مختلف الطوائف شارك فيه إلى جانبه كل من نصري المعلوف وبشير الأعور وميشال ساسين وخاتشيك بابكيان.
في أيار 1986، كان أحد أعضاء لجنة صياغة "المشروع المسيحي للوفاق الوطني" والمؤلفة من أوغست باخوس وجورج سعادة وميشال ساسين وداني شمعون وجورج عدوان ومارون حلو وجبران تويني.
في 22 كانون الثاني 1989 شارك في الوفد النيابي الذي زار دولة الإمارات العربية المتحدة وعرض ورفاقه للوضع اللبناني على الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، ثم وجّه ورفاقه في التجمّع دعوة للجنة الثلاثية العربية يناشدون فيها الإسراع في المبادرة الاخوية لحل أزمة لبنان.
في الحرب اللبنانية واجه صعوبات جمّة وأخطارًا عديدة ومضايقات لا حد لها، من بينها نسف سيارته وسيارات إخوته.
من هذا المنطلق كانت المساعي الحثيثة التي قام بها من أجل عودة السلام إلى الربوع اللبنانية وإعادة اللحمة إلى الشعب اللبناني المتصارع مع نفسه.
ومن أجل هذه الغاية قام بالتضحيات من أي نوع كانت، وتعرّض للمخاطر، وهُدّد وشُرّد وعانى ما عاناه من نفي ومن نضال مرير وكفاح مستمر لا هوادة فيه ولا راحة، وذلك على حساب صحته وراحته واستقرار عائلته وسلامتهم.
وقف أوغست باخوس في وجه التيار العام المتطرّف الذي كان سائدًا طوال سني الحرب اللبنانية، دفاعًا عن عقيدته الوحدوية وتطلعاته الوطنية وإيمانه المطلق بالأخوة والعيش المشترك.
جابه الصعوبات والمخاطر من أية جهة أتت في سبيل مبدئه وهو وجوب انصهار اللبنانيين في بوتقة قوية واحدة ووجوب استقرار الحياة اللبنانية الداخلية لمتابعة لبنان مسيرته الحضارية والثقافية في محيطه وفي العالم.
هو يفهم النيابة تجرّد الإنسان عن حساسياته الطائفية ونزعاته الإقليمية.
فالنائب بنظره هو نائب عن كل لبنان وليس عن منطقة أو طائفة معينة.
يفخر أوغست باخوس بأنه لم يدنّس يديه بالعمل العسكري والميليشيوي وأن غالبية المنتسبين إلى تياره لم يحملوا السلاح.
إعداد أنطوان فضّول