شباب لبنان وُلد في الفراغ وتعلّم النجاة
كتب أنطوان فضّول
لا يشبه الشباب اللبناني اليوم أي جيل سبقه في تاريخ البلاد الحديث.
ليس لأنهم أكثر تمرّدًا أو وعيًا بالضرورة، بل لأنهم نشأوا في زمن استثنائي طغى عليه الفراغ: فراغ الدولة، وفراغ المستقبل، وفراغ اليقين.
هو جيل لم يعرف يومًا معنى الاستقرار، ولم يُمنح فرصة اختبار ما كان يُسمّى سابقًا «المسار الطبيعي للحياة».
دخل هذا الجيل الجامعات فيما كانت البلاد تنزلق إلى الانهيار، وتخرّج في سوق عمل شبه معدومة، وباشر حياته المهنية في اقتصاد فقد قواعده ومعاييره.
لم تعد الأسئلة التقليدية حول الوظيفة الدائمة أو الضمان الاجتماعي أو التدرّج الوظيفي مطروحة، لأن الشباب تجاوزوها فكريًا، بل لأن الواقع شطبها عمليًا من قاموسهم.
في بلد بلا عملة مستقرة، وبلا شبكة أمان اجتماعي، وبلا دولة قادرة على الحماية، وجد الشباب أنفسهم أمام خيار وحيد: التكيّف.
هم، على عكس الصورة النمطية، أكثر حركة من أي وقت مضى. يعملون حيث تتاح الفرصة، يبدّلون وظائفهم باستمرار، يتعلّمون مهاراتهم بأنفسهم، وينشئون مساراتهم خارج الأطر التقليدية.
لم يعد الانتظار خيارًا، ولم تعد الوعود تعني شيئًا.
هذا الجيل لا يثق بالمؤسسات، بل بالأفراد. لا يراهن على السياسات، بل على المهارات الشخصية.
لا ينتظر إصلاحًا شاملًا، بل يبحث عن مخرج فردي، سواء داخل البلاد أو خارجها. فالهجرة لم تعد حلمًا، بل خطة واقعية، والعمل الحر صار ضرورة.
لا يمكن وصف هذا الجيل باليائس. هو جيل واقعي إلى حدّ الصدمة، فقد أوهامه مبكرًا، لكنه لم يفقد قدرته على العيش.
يضحك كثيرًا، يستهلك الثقافة، يسافر إن استطاع، يبني علاقاته بسرعة، ويعيش الحاضر بكثافة. كأنما يقول: إذا المستقبل غامض، لا بد أن يكون الحاضر ممتلئًا.
هل نحن أمام جيل ضائع؟ أم أمام جيل مختلف جذريًا؟ قد يكون هذا أول جيل لبناني لا يبني حياته على وعود الدولة، ولا ينتظر خلاصًا سياسيًا، ولا ينخرط في مشاريع جماعية كبرى. هو جيل فردي، سريع الإيقاع، عملي، وقليل الأوهام.
جيل ما بعد الانهيار لا يسعى لإنقاذ البلد، لأنه لم يعد يثق بإمكانية ذلك. ما يريده ببساطة أن ينجو منه ويعيش بكرامة.
الجمعة (16/1/2026)