قطع الوصل بين الوزير والسفير

(كتب أنطوان فضّول):
في لحظة إقليمية شديدة التعقيد، عاد ملف العلاقات الدبلوماسية بين لبنان وإيران إلى واجهة النقاش، على خلفية القرار اللبناني بسحب الاعتماد من السفير الإيراني.
القرار، الذي جاء في سياق اتهامات بتجاوز الأصول الدبلوماسية والتدخل في الشأن الداخلي، يستند في جوهره إلى قواعد نصّت عليها اتفاقية فيينا للعلاقات الدبلوماسية، والتي تشكّل المرجعية الأساسية الناظمة للعلاقات بين الدول.
المادة 41 من الاتفاقية تفرض على الدبلوماسيين احترام قوانين الدولة المضيفة والامتناع عن التدخل في شؤونها الداخلية، ما يجعل أي خرق لهذا المبدأ مدخلًا مشروعًا لاتخاذ إجراءات سيادية، تبدأ بالاحتجاج الدبلوماسي ولا تنتهي عند حد طلب المغادرة.
في هذا الإطار، القرار اللبناني لا يخرج عن السياق الطبيعي للممارسة الدولية، بل يندرج ضمن الأدوات السيادية التي تملكها الدول لحماية توازنها الداخلي، خصوصًا عندما يتحول الأداء الدبلوماسي إلى عنصر ضغط أو تأثير في قضايا داخلية حساسة.
تشير الوقائع إلى أن أنماط التدخل التي يُشتبه بصدورها عن السفير، من مواقف سياسية علنية إلى مخاطبة الرأي العام في ملفات خلافية، تشكّل وفق القانون الدولي مبررًا كافيًا لإعادة النظر في وضعه الدبلوماسي.
دستوريًا، أعاد القرار إحياء النقاش حول توزيع الصلاحيات داخل السلطة التنفيذية. فبينما يستند البعض إلى المادة 65 من الدستور لحصر القرار بمجلس الوزراء، يؤكد قانونيون أن إدارة العلاقات الدبلوماسية اليومية تبقى من صلب عمل وزارة الخارجية، ضمن إطار التنسيق مع رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة، بما يعكس طبيعة الصلاحية التنفيذية المشتركة في القضايا السيادية.
عليه، فإن الإجراء المتخذ لا يُعد تجاوزًا للصلاحيات بقدر ما هو ممارسة لها ضمن الأصول.
تزداد أهمية هذا المعطى مع عدم استكمال السفير المعني لإجراءات تقديم أوراق اعتماده، ما يضعه في موقع قانوني غير مكتمل، ويمنح الدولة المضيفة هامشًا أوسع في تنظيم وضعه، وصولًا إلى رفض اعتماده من الأساس.
في المقابل، لم يخلُ المشهد من أصوات داخلية دعت إلى التراجع عن القرار، محذّرة من “تداعيات خطيرة”. إلا أن هذا الطرح يفتقر إلى سند في الممارسة الدولية، حيث تُعد إجراءات الاعتراض الدبلوماسي جزءًا طبيعيًا من العلاقات بين الدول.
إن الإشكالية الأعمق تكمن، في ربط ممارسة السيادة بإمكانية استجلاب ردود فعل غير طبيعية، ما يطرح تساؤلات حول حدود الضغط السياسي في مقاربة الملفات السيادية.
يبدو أن جوهر الأزمة يتجاوز شخص السفير ليطال مفهوم الدولة نفسها: هل يملك لبنان هامشًا فعليًا لممارسة سيادته وفق القواعد الدولية، أم أن كل خطوة من هذا النوع ستبقى رهينة التوازنات الداخلية والتجاذبات الإقليمية؟
يعكس قرار سحب الاعتماد، في حال ثبوت معطيات التدخل، ممارسة مشروعة لحق سيادي تكفله القوانين الدولية. أما التحدي الحقيقي، فيبقى في قدرة الدولة على تثبيت هذا الخيار كمسار ثابت، لا كاستثناء ظرفي، وفي اسقاطه على جميع الدبلوماسيين المتدخلين في الشأن اللبناني الداخلي باطار يهدد السلم والوجود والكيان، في بيئة سياسية اعتادت اختبار حدود السيادة أكثر مما اعتادت حمايتها.
الأربعاء (25/3/2026)
www.focusonlebanon.com