بنت جبيل...
تشهد مدينة بنت جبيل وقضاؤها في جنوب لبنان واحدة من أعنف جولات المواجهة العسكرية على الحدود. ويُعدّ قضاء بنت جبيل أحد أقضية محافظة النبطية، ويضم 36 بلدية تتخذ من المدينة مركزاً إدارياً له، وهي من البلدات القريبة من الحدود الجنوبية.
تقع بنت جبيل على بُعد نحو 125 كيلومتراً من بيروت، وترتفع حوالى 770 متراً عن سطح البحر. وقد جعلها هذا الموقع الجغرافي المرتفع والمكشوف نسبياً نقطة استراتيجية متقدمة، تسمح برصد التحركات والتحكم النسبي بمسرح العمليات في محيطها.
ومنذ عقود، شكّلت المدينة محوراً للصراعات في الجنوب، بدءاً من “الثورة العربية” بين العامين 1936 و1939، مروراً بنكبة العام 1948 وما تبعها من نزوح فلسطيني إلى المنطقة، ثم مرحلة ما بعد “اتفاق القاهرة” في العام 1969، وصولاً إلى الاجتياحات الإسرائيلية المتكررة، ولا سيما “عملية الليطاني” 1978 التي أدت إلى احتلال بنت جبيل ضمن ما عُرف بـ“الحزام الأمني”، حيث بقيت تحت السيطرة الإسرائيلية نحو 22 عاماً حتى الانسحاب في 25 أيار 2000.
وبرزت أهمية المدينة بشكل لافت خلال حرب تموز 2006 التي استمرت 33 يوماً، حين طوّقها الجيش الإسرائيلي من دون أن يتمكن من دخولها، بعد خسائر بشرية عند تخومها، من بينها مقتل عدد من ضباطه، أبرزهم الرائد روي كلاين، فيما سقط أيضاً عدد من قادة "حزب الله" من أبناء المدينة، بينهم القائد العسكري خالد أحمد بزي، القريب من عماد مغنية، مؤسس “قوة الرضوان”.
وتعززت الرمزية السياسية والمعنوية لبنت جبيل بعد انسحاب 2000، حين ألقى الأمين العام السابق لـ"حزب الله" حسن نصرالله خطابه الشهير من المدينة، قائلاً إن إسرائيل “أوهن من بيت العنكبوت”. وفي حرب 2024، “حرب الـ66 يوماً” بين 23 أيلول و27 تشرين الثاني، حاول الجيش الإسرائيلي اقتحام بنت جبيل، إلا أنه لم يتمكن من دخولها.
تعود المدينة اليوم إلى واجهة الاشتباك كأحد آخر خطوط القتال المباشر في القطاع الأوسط، حيث تدور مواجهات برية عنيفة من مسافة صفر بين الجيش الإسرائيلي ومقاتلي "حزب الله"، بعد توغل القوات الإسرائيلية في عدد من بلدات القطاعات الشرقي والأوسط والغربي.
ويعكس الإصرار الإسرائيلي على دخول المدينة تصعيداً واضحاً، سواء عبر تطويقها بالدبابات أو عبر القصف الجوي المكثف وعمليات التدمير التي طالت الأبنية والبنى التحتية، خصوصاً في محيطها الشمالي الغربي. كما شدد رئيس أركان الجيش الإسرائيلي إيال زامير خلال جولة ميدانية في 9 نيسان على استمرار العمليات، مؤكداً أن هذه الجبهة تمثل “ساحة القتال الأساسية”.
ميدانياً، تشير التقديرات إلى أن الجيش الإسرائيلي يعمل على عزل بنت جبيل من الجهات الأربع عبر محاور دبل وعين إبل ورميش، وصف الهوا (عيناتا وعيترون)، ويارون، إضافة إلى محور مارون الراس باتجاه المهنية ومجمع موسى عباس. وفي المقابل، يتمسك "حزب الله" بالدفاع عن المدينة باعتبارها من أبرز معاقله المعنوية والعسكرية، ويخوض مواجهات مباشرة لمنع التوغل، فيما تتواصل عمليات القصف والتدمير، وسط غياب التغطية الإعلامية المباشرة.
بنت جبيل مدينة ذات طابع تراثي، تضم بيوتاً تاريخية تعود إلى 300 و400 سنة، إلى جانب 17 مسجداً و17 شارعاً رئيساً، ما يجعلها مدينة متكاملة، وهي تختصر اليوم في شهدائها وموقعها وتاريخها ورمزيتها جوهر الصراع في جنوب لبنان.