وردة الإمبراطور
تأليف: أنطوان فضّول
لم يكن ليو يعرف وطنه إلا من صوت أمّه.
كانت تجلس قرب النافذة في ليالي الشتاء الطويلة، فيما الريح تعصف بسهول تراقيا الباردة، وتروي له حكايات عن جبالٍ تعانق الغيوم، وعن قرى تتشبث بصخور جبل لبنان كأنها تخشى السقوط في الزمن.
كانت تحدثه عن البحر الذي حمل سفن الفينيقيين إلى أقاصي الدنيا، وعن رجالٍ ولدوا أحراراً وماتوا وهم يقاتلون كي يبقوا كذلك.
كان يصغي إليها مأخوذاً، شاعراً بأن روحه معلقة هناك، في أرض لم تطأها قدماه قط.
وذات ربيع، بينما كانت الأشجار تتزيّن بأزهارها الأولى، رآها.
كانت تمشي في حديقة ديرٍ قديم، بثوب أبيض بسيط، تحمل بين ذراعيها كتاباً أكبر من عمرها.
وما إن هبّت نسمة خفيفة حتى أفلتت وردة حمراء من بين الأغصان وسقطت عند قدميه.
انحنى والتقطها.
رفعت الفتاة عينيها نحوه.
في تلك اللحظة، لم يكن يعرف اسمها، ولم تكن تعرف اسمه، لكن شيئاً خفياً مرّ بين النظرتين، شيئاً يشبه وعداً قديماً جاء من مكان بعيد.
كانت هيلانة.
ومنذ ذلك اليوم صار الدير موعداً سرياً للقلوب.
كانا يلتقيان تحت ظلال السرو، يتحدثان عن المدن البعيدة والبحار المجهولة والأحلام التي تبدو أكبر من العمر.
وكانت هيلانة ترى فيه ما لا يراه الآخرون؛ ترى الفتى المنفي الذي يخبئ في داخله قلب قائد.
أما هو، فكان يشعر أن العالم كله يختصر في صوتها.
لكن الحب لا يولد دائماً في الأزمنة الرحيمة.
حين علم والدها بالأمر، انتفض غضباً.
كيف لابنة أحد كبار قادة الإمبراطورية أن تمنح قلبها لشاب مجهول الأصل، لا يملك سوى اسمه وسيفه؟
صدر الحكم سريعاً.
الافتراق.
وفي الليلة الأخيرة، التقيا على ضفة نهر يلمع تحت ضوء القمر.
كانت المياه تسير هادئة، كأنها لا تكترث للمصائر البشرية.
قالت بصوت مرتجف:
"إلى أين ستذهب؟ "
أجاب وهو ينظر إلى الأفق:
"إلى حيث تأخذني الحرب.
"
ثم صمت قليلاً وأضاف:
"وسأعود.
"
ابتسمت بحزن.
فهي تعرف، كما يعرف هو، أن الحرب لا تعيد دائماً الذين تأخذهم.
مرت السنوات.
تغيرت الوجوه، وتعاقبت الفصول، وسقط رجال وقامت دول.
أما ليو، فقد صنعته المعارك من جديد.
كل جرح تركته سيوف الأعداء على جسده كان يضيف إلى روحه صلابة جديدة.
ومع الوقت صار اسمه يتردد في المعسكرات والقصور، ثم أصبح أحد أعمدة الإمبراطورية وقادتها الكبار.
أما هيلانة، فقد دفنت حبها في أعماق قلبها، ومضت في حياة اختارها الآخرون لها.
وكان كل منهما يظن أن الآخر صار مجرد ذكرى بعيدة.
حتى جاء الحصار العظيم.
أحاطت الجيوش بالقسطنطينية كحلقة من نار.
امتلأ البحر بالسفن، وارتفعت فوق الأسوار رايات الموت.
بدا وكأن المدينة التي حكمت العالم قروناً توشك أن تسقط في ليلة واحدة.
وفي إحدى قاعات القصر، وسط ضجيج الجنود وصخب المستشارين، التقت عيناهما مجدداً.
بعد غياب عمر كامل.
لم يتكلما.
فبعض اللقاءات أعمق من اللغة.
اكتفت هيلانة بالنظر إليه.
أما هو، الذي لم ترتجف يداه أمام السيوف والرماح، فقد شعر أن قلبه يعود فجأة إلى ذلك الفتى الذي التقط وردة من التراب قبل سنوات طويلة.
دام الحصار أشهراً.
كان ليو يقاتل على الأسوار نهاراً، فيما كانت هيلانة تقاتل بطريقتها في الداخل؛ تواسي الجرحى، تجمع المؤن، وتحارب اليأس الذي تسلل إلى قلوب الناس.
وعندما انكسرت جيوش الحصار أخيراً، وارتفعت أجراس النصر فوق القباب الذهبية، خرجت المدينة كلها تهتف باسم الرجل الذي أنقذها.
لكن القدر كان يخبئ له هزيمته الوحيدة.
فقد أنهك المرض جسد هيلانة خلال أيام الجوع والبرد والخوف.
وفي صباح هادئ، بينما كانت أشعة الشمس تتسلل عبر النافذة، جلس قرب سريرها.
في الخارج كانت المدينة تحتفل.
وفي الداخل كان الزمن يتوقف.
نظرت إليه بعينين أرهقهما التعب وقالت:
"لقد ربحت الإمبراطورية.
"
خفض رأسه وأمسك يدها المرتجفة.
قال بصوت خافت:
"وأخسر العالم.
"
ابتسمت.
كانت ابتسامة تشبه الغروب فوق البحر.
ثم همست:
"ليست المدن وحدها ما يحتاج إلى من يحميه. القلوب أيضاً. "
وأغمضت عينيها.
إلى الأبد.
بعد أعوام، جلس ليو على عرش الأباطرة.
كان الجنود ينحنون أمامه، وتخضع لإشارته أقاليم مترامية الأطراف، ويُذكر اسمه في كتب التاريخ باعتباره الرجل الذي أنقذ الإمبراطورية من السقوط.
لكن كل مساء، عندما كانت الشمس تغيب خلف مياه البوسفور، كان يبتعد عن ضجيج القصر ويقف وحيداً عند الشرفة المطلة على البحر.
هناك، بين زرقة الماء وذهبية الغروب، كانت تعود إليه صورة فتاة صغيرة فقدت وردة ذات يوم.
فيبتسم.
ثم يهمس للريح باسمها.
لأن التاريخ يتذكر الأباطرة الذين أنقذوا الممالك، أما القلوب فلا تتذكر إلا أول حبٍّ سكنها. وآخر حبٍّ غادرها.