رد على الإسفاف ضد الكنيسة ولبنان

بيان للدكتورة منى الأشقر جبّور
"النور يضيء في الظلمة والظلمة لم تدركه" (يوحنا 1:5)
منذ ألفي عام وهذه الحقيقة تتجدد.
تتداول على وسائل التواصل الاجتماعي حملة منظمة تستهدف إهانة رموزنا الدينية والوطنية المسيحية، وتنمّ عن حقد مُبيَّت لا يخطئه عاقل.
الصمت على الباطل شراكة فيه، ولذلك فإن واجبنا الديني أمام الله والوطني أمام التاريخ يُلزمنا بالرد، لا من موقع الغضب، بل من موقع الإيمان الراسخ والكرامة التي لا تُمس.
أولاً: في اللاهوت العميق
ربنا يسوع المسيح له كل المجد لم يأتِ ليُنشئ ديناً بالمفهوم السائد، بل أتى ليُعلن حقيقة كونية: أن الإنسان مخلوق على صورة الله ومثاله، وأن في كل إنسان شرارة إلهية لا يملك أحد حق إطفائها.
هذا هو جوهر ما يُهاجَم: ليس صورة بشرية، بل مفهوم الكرامة الإنسانية ذاته.
القديس إيريناوس اللاهوتي الكبير في القرن الثاني قال عبارته الخالدة:
"مجد الله هو الإنسان حياً"
من يُهين إنساناً يُهين الله مباشرة.
هذه ليست مبالغة بلاغية، بل حقيقة لاهوتية صارمة.
وذهب القديس يوحنا الذهبي الفم أبعد حين قال:
"إن أردت أن تُكرم المسيح له كل المجد فلا تتركه عارياً في الفقراء بينما تُزخرف الكنائس بالذهب"
والأعمق لاهوتياً أن ربنا يسوع المسيح له كل المجد حين سُئل عن أعظم الوصايا لم يقل العبادة، بل قال:
"تحب الرب إلهك من كل قلبك ومن كل نفسك ومن كل فكرك، وتحب قريبك كنفسك" (متى 22:37-39)
الحب هو المعيار الأول والأخير.
فمن أين يأتي هؤلاء بشرعية دينية وهم يبنون وجودهم على الكراهية؟
وحذّر ربنا يسوع المسيح له كل المجد بوضوح:
"من أعثر أحد هؤلاء الصغار المؤمنين بي فخير له أن تُعلَّق في عنقه رحى وأن يُغرق في أعماق البحر" (متى 18:6)
هذا ليس تهديداً بشرياً، بل ميزان إلهي دقيق لا يخطئ.
ثانياً: في فلسفة الأخلاق وتشريح العقل المُتحجّر
من يُهين مقدسات الآخر لا يملك حجة، ولا فكرة، ولا مشروعاً.
يملك فقط حقداً يبحث عن منفذ.
وهذا بالضبط ما كشفته هذه الحملة: أنها فارغة فكرياً، مُفلسة أخلاقياً، ومدفوعة بأجندة لا تملك شرعية شعبية فتلجأ إلى التدنيس.
الفيلسوفة هانا أرنت درست ظاهرة الشر في أعمق صورها وخلصت إلى مفهومها الشهير "ابتذال الشر": الشر الأكبر لا يأتي من وحوش، بل من بشر عاديين توقفوا عن التفكير.
هذا بالضبط ما نراه: عقول توقفت عن التفكير النقدي وأصبحت أدوات تنفيذية لأجندات تستخدم الكراهية وقوداً.
والفيلسوف هيغل قال إن الروح تتقدم عبر التاريخ نحو الحرية، لكن عقولاً بعينها تختار أن تتحجر وتعيش في حلقة مفرغة من الكراهية المُعاد تدويرها.
وذهب نيتشه – رغم إلحاده – إلى تشخيص دقيق حين قال إن أضعف البشر هم من يحتاجون إلى تحطيم الآخر ليشعروا بوجودهم.
الإنسان الذي يمتلك فكرة حقيقية يعرضها.
أما من لا يملك سوى الحقد فيُهين.
ومن يعيش على المظلومية المُصطنعة ويتخذها هويةً وسلاحاً فقد أعلن إفلاسه مرتين: مرةً أمام التاريخ الإنساني الذي يتقدم نحو الحرية والكرامة، ومرةً أمام الله الذي لا يسكن في قلب مملوء بالضغينة.
المظلومية المزمنة ليست شهادة، بل هي سجن يبنيه الإنسان لنفسه بيده.
وقلب الله، كما علّمنا ربنا يسوع المسيح له كل المجد، لا يُدرَك بالحقد بل بالتحرر منه:
"إن أحببتم الذين يحبونكم فأي فضل لكم؟ أليس العشارون أيضاً يفعلون ذلك؟" (متى 5:46)
التطور الإنساني الحقيقي يبدأ حين يتجاوز الإنسان جراحه ويختار البناء بدل الهدم.
وهذا ما يعجز عنه من يحترف الإهانة، لأن الإهانة هي آخر أسلحة العاجز عن النمو.
والقديس بولس الرسول أجمل هذا كله:
"الإنسان الجسدي لا يقبل ما لروح الله لأنه عنده جهالة" (1 كورنثوس 2:14)
ثالثاً: في يهوذا التاريخي واليهوذا الحديث
يهوذا في الإنجيل لم يكن غريباً، كان من الداخل، يعرف كل شيء ويُحسن استخدام المعلومة في اللحظة المناسبة.
الخيانة الكبرى لا تأتي من الجهل بل من المعرفة المُوظَّفة في خدمة المال والسلطة.
يهوذا الجديد يعرف أيضاً.
يعرف أن المسيحية في لبنان ليست مجرد طائفة بل هي الضمير الوطني التاريخي لهذه الأرض.
يعرف أن ضرب رموزها يعني ضرب فكرة لبنان ذاته كرسالة تعايش وحضارة.
لذلك الهجوم ليس عشوائياً.
هو مُحكم، مُوقَّت، ومدروس.
يستهدف تحطيم الثقة بالقيادات المسيحية الوطنية، وزرع الإحباط في النفوس، وتهجير الروح قبل تهجير الجسد.
وحذّر ربنا يسوع المسيح له كل المجد من هذا بدقة مذهلة:
"احذروا الأنبياء الكذبة الذين يأتونكم بثياب الحملان وهم من داخل ذئاب خاطفة" (متى 7:15)
ويهوذا نفسه لم يُدمّر الكنيسة.
لأن الكنيسة لم تُبنَ على يهوذا بل بُنيت على الصخرة.
وهذا درس التاريخ الذي يتكرر: كل يهوذا يُعجّل بنهايته بيده.
رابعاً: في الهوية المسيحية الوطنية
ما أُهين اليوم ليس رموزاً دينية فحسب، بل هوية وطنية راسخة ضاربة في عمق هذه الأرض.
البطريرك إلياس الحويك أخذ لبنان الكبير من باريس عام 1920 ليس بالسلاح بل بالحجة والإيمان والحضور الحضاري.
وواضعو الدستور اللبناني، أسّسوا لفلسفة لبنان التعددية عام 1926.
وأجيال من الشهداء والمفكرين والبنّائين رسّخوا وجوداً لا تمحوه حسابات وهمية.
والكنيسة في لبنان بُنيت على صخرة الشهداء والدم والإيمان، لا على الورق الرقمي ولا على حسابات وهمية.
وقال ربنا يسوع المسيح له كل المجد:
"أنتم نور العالم.
لا يمكن أن تختفي مدينة مبنية على جبل" (متى 5:14)
خامساً: في القانون
المواد 473 و474 من قانون العقوبات اللبناني تُجرّم التجديف على الأديان وإهانة الشعائر الدينية.
والمادة 317 تُجرّم التحريض الطائفي والمساس بالوحدة الوطنية.
والعهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية الذي لبنان دولة طرف فيه يُقيّد حرية التعبير صراحةً حين تمس كرامة الآخرين وحقوقهم.
هذه المنشورات موثقة بالصور والأسماء والتواريخ.
والذاكرة الرقمية لا تمحو.
وفوق كل قانون بشري يقف الميزان الإلهي:
"لا تخدعوا أنفسكم، الله لا يُشمخ عليه.
فإن ما يزرعه الإنسان إياه يحصد" (غلاطية 6:7)
خاتمة: شهادة لا مظلومية
نحن لا نكتب هذا من موقع الضحية.
نكتبه من موقع الشاهد.
شاهد على أن الكنيسة عاشت اضطهاد نيرون وديوكليسيان وبقيت.
شاهد على أن كل من حاول إطفاء هذا النور دُفن في التاريخ بينما النور لا يزال يضيء.
شاهد على أن لبنان لا يكتمل معناه بغياب مسيحييه الأحرار.
"لا تُغلَب بالشر، بل اغلب الشر بالخير" (رومية 12:21)
"في العالم سيكون لكم ضيق، ولكن ثقوا أنا قد غلبت العالم" (يوحنا 16:33)
الكنيسة لم تُبنَ على الأقوياء.
بُنيت على الشهداء.
وهذا سرّ ديمومتها.