ليو وهيلانه

تأليف: أنطوان فضّول
عندما كان ليو صبيًا في الرابعة عشرة، كان يقف كل مساء على تلة صغيرة في تراقيا، يتأمل الغروب ويستمع إلى أمه وهي تحدثه عن جبال بعيدة لا يعرفها إلا من كلماتها.
كانت تقول له:
"هناك، خلف البحر، جبال تحفظ أسماء أجدادك في صخورها.
" لم يكن يفهم تمامًا ما تعنيه، لكنه كان يشعر أن جزءًا منه يعيش في مكان لم يره قط.
في أحد الأيام، التقى هيلانة.
كانت ابنة أحد القادة البيزنطيين.
رآها أول مرة في حديقة واسعة خلف كنيسة قديمة، تحمل كتابًا أكبر من يديها الصغيرتين.
ابتسمت له عندما تعثرت بوردة سقطت من بين الأغصان.
التقط الوردة وقدمها إليها.
ومنذ ذلك اليوم، صار كل منهما ينتظر الآخر عند الحديقة نفسها.
مرت الأعوام سريعًا.
كبر الحب بينهما كما تكبر الأشجار بصمت.
لكن والد هيلانة لم يكن يرى في ليو سوى ابن عائلة منفية مجهولة الأصل.
وعندما طلب يدها، جاءه الرفض قاسيًا كحد السيف.
في الليلة الأخيرة قبل رحيله إلى الجبهة، التقيا قرب النهر.
قالت وهي تحاول أن تخفي دموعها:
"هل ستعود؟
" أجابها:
"إذا بقيت حيًا. سأعود إليك."
لكن الحرب لا تحفظ الوعود دائمًا.
سنوات طويلة مرت.
تحول الشاب المنفي إلى قائد عسكري يهاب الأعداء اسمه.
وانتقلت هيلانة إلى حياة أخرى فرضتها عليها السياسة والزواج والمكانة الاجتماعية.
وكان كل منهما يعتقد أن الآخر أصبح مجرد ذكرى.
ثم جاء الحصار.
جاءت السفن العربية تحيط بالقسطنطينية من البحر، والجيوش تحاصرها من البر.
ارتجفت الإمبراطورية كلها أمام خطر السقوط.
وفي إحدى قاعات القصر، التقت عيناهما من جديد.
لم يقولا شيئًا في البداية.
فالسنوات التي فرقت بينهما كانت أثقل من الكلمات.
اكتفت هيلانة بالابتسام.
أما ليو، الذي واجه آلاف الجنود في المعارك، فقد شعر للمرة الأولى أن قلبه هو الذي يرتجف.
خلال شهور الحصار الطويلة، قاتل ليو على الأسوار، بينما كانت هيلانة تساعد الجرحى وتنقل الرسائل وتكشف المؤامرات التي تهدد المدينة من الداخل.
وحين انكسر الحصار أخيرًا وارتفعت رايات النصر فوق الأبراج، هتف الناس باسم القائد الذي أنقذ العاصمة.
لكن القدر كان يخبئ معركته الأخيرة.
فقد أنهك المرض هيلانة خلال أيام الجوع والبرد.
وفي صباح ربيعي هادئ، جلس ليو إلى جوارها.
كانت المدينة تحتفل في الخارج.
الأجراس تدق.
والجماهير تملأ الشوارع.
أما هي فكانت تنظر من النافذة إلى البحر.
همست:
"لقد انتصرت.
" أجاب بصوت مكسور:
"لكنني أخسرك.
" ابتسمت برفق وقالت:
"الأباطرة يحمون المدن. أما القلوب فلا يحميها أحد."
ثم أغمضت عينيها.
وللمرة الأولى منذ سنوات الحرب كلها، بكى ليو.
بعد أعوام، عندما صار إمبراطورًا وحكم نصف العالم، كان يقف أحيانًا فوق شرفات القصر عند الغروب.
ينظر إلى البحر البعيد.
ويتذكر وردة صغيرة سقطت يومًا من شجرة في حديقة قديمة.
كان الناس يذكرونه باعتباره الرجل الذي أنقذ الإمبراطورية.
أما هو، فكان يعرف أن أجمل ما في حياته لم يكن عرشًا ولا نصرًا.
بل فتاة حملت وردة، ثم رحلت تاركة عطرها في قلبه إلى الأبد.