فؤاد قاسم أبو الحسن
وُلد المقدم فؤاد قاسم أبو الحسن في السنة 1914، قبيل ولادة لبنان الكبير، ونشأ يحمل من بيئته الجبلية صلابة الطبع، ومن أسرته قيم الانضباط.
لم تكن الطريق أمام أبناء القرى في تلك المرحلة معبّدة بالفرص، رغم ذلك شقّ فؤاد أبو الحسن مسيرته الأولى بثبات في ميدان التربية، حيث مارس مهنة التعليم في مدرسة بتخنيه، ومركزها يومذاك منزل المرحوم حسن فاعور أبو الحسن.
في السنة 1935 كان أول من حاز شهادة البكالوريا القسم الأول في منطقة المتن الأعلى من الجامعة الوطنية في عاليه في بيئة لم يكن التعليم الثانوي متاحًا على نطاق واسع.
فتحت له هذه الشهادة بابًا جديدًا نحو الحياة العامة، فانتقل من ميدان التعليم إلى ميدان الخدمة الرسمية، وانخرط في سلك قوى الأمن الداخلي، المؤسسة التي كانت تتشكل تدريجيًا بوصفها إحدى ركائز الدولة اللبنانية الحديثة.
مع نيل لبنان استقلاله، السنة 1943، إنتقل شيئًا فشيئًا من زمن الانتداب إلى زمن الدولة الوطنية، وكانت الحاجة ملحّة إلى رجالات يجمعون بين الانضباط والثقافة.
في السياق بدأ فؤاد أبو الحسن مسيرته في قوى الأمن الداخلي، متدرجًا في الرتب من جندي إلى معاون، ثم أخذ موقعه يتقدم بفعل كفاءته العلمية والمهنية.
ولأنه يتقن اللغة الفرنسية أضاف إلى خدمته الأمنية وواجباته العسكرية التقليدية، صفة مترجم للغة الفرنسية في قوى الأمن الداخلي. وكان إلمامه بالفرنسية ميزة مهمة في تلك الحقبة، إذ حضرت تلك اللغة بقوة في الإدارة والتعليم والقضاء والعلاقات الرسمية.
بذلك، جمع فؤاد بين رجل الأمن ورجل الثقافة، وبين الحزم الذي تقتضيه الوظيفة الأمنية والقدرة اللغوية التي جعلته يؤدي أدوارًا تتجاوز حدود مهمته المباشرة.
رغم ان التدرج العسكري محكوم بأنظمة صارمة، جاء حصوله على البكالوريا القسم الأول ليشكل نقطة تحول في مسيرته. فامتلاكه المؤهل العلمي المطلوب فتح أمامه بابًا لم يكن متاحًا بسهولة لسواه.
رقّي إلى رتبة ملازم، وبدأ مرحلة جديدة في حياته المهنية، اتسعت فيها مسؤولياته وتنوعت مهامه، وأصبح أكثر التصاقًا بمفاصل الدولة الأمنية والقضائية.
بالتوازي مع نيل لبنان استقلاله وانطلاق عملية بناء مؤسساته، كانت الأحداث في الجنوب تتسارع، إلى أن حلّت السنة 1948 يوم اندلعت حرب فلسطين ووضعت لبنان أمام أول اختبار عسكري إقليمي كبير في مرحلة ما بعد الاستقلال.
خاضت القوى المسلحة اللبنانية، وهي لا تزال في بدايات تشكّلها، معارك المالكية على الحدود الجنوبية، وتمكنت بداية من تحرير البلدة وتسليمها إلى جيش الإنقاذ العربي. وتعد معركة المالكية من أبرز محطات "معمودية النار" للجيش الوطني الفتي.
شارك فؤاد أبو الحسن السنة 1948 في معركة المالكية، التي تركت في مسيرته العسكرية أثرًا بالغًا، نال على إثرها وسام فلسطين.
هي معركة أدخلت لبنان في صراع إقليمي كبير يتجاوز حدوده.
وقد خاضت القوات الأمنية اللنانية الشرعية في تلك الفترة ثلاث معارك في المالكية بين 15 أيار و6 حزيران 1948، وتمكنت من تحرير البلدة في إحدى مراحل القتال قبل أن تتبدل موازين الميدان لاحقًا.
بعد المالكية، واصل فؤاد أبو الحسن مسيرته متنقلًا بين مناطق لبنانية عدة، يؤدي واجباته حيث تقتضي مصلحة الخدمة.
تولى، بداية، مهمة مساعد مدير معهد قوى الأمن الداخلي، حيث يتخرّج الضابط من المدرسة الحربية - قوى الأمن الداخلي بعد خضوعهم لدورة متخصصة في الأنظمة والقوانين. شكل هذا الموقع محطة مهمة في حياته، لأنه جمع بين الخبرة الميدانية والخبرة التعليمية. فالرجل الذي بدأ حياته معلمًا في مدرسة بتخنيه عاد، بعد سنوات، إلى التعليم ولكن من باب آخر، مساهمًا في إعداد رجال الأمن الذين سيحملون مسؤولية تطبيق القوانين وحفظ النظام في الدولة.
ثم انضمّ إلى عضوية المحكمة العسكرية، مع ما تتطلبه من معرفة بالقوانين، فضلًا عن قدر كبير من النزاهة والتجرد. وفي هذه المرحلة اتسعت دائرة مهامه لتشمل الجانب القضائي من العمل الأمني، فكان قريبًا من الملفات التي تمس الأمن والنظام العام، ومشاركًا في تطبيق القانون وفق ما تفرضه الأنظمة.
بصماته شديدة البروز في سجل القضاء العسكري، وصدى أحكامه يعكس اعتداله وإنصافه ونزاهته المترفّعة ووطنيته المتجردة.
شرّف بجرأته السلطة القضائية، لا سيما وأنّه في أحلك المراحل، لم يتأخّر في تولي المهمات الصعبة والنظر في القضايا ذات المواضيع الحساسة والمسائل المحرجة، واضعًا كفاءته في خدمة الوطن وجاعلاً سيادة القانون هدفًا رئيسًا، رسّخ من خلالها مفهوم دولة المؤسسات السيدة والعادلة في إطار الجمهورية اللبنانية المستقلة.
ثم أخذ يتدرج في الرتب حتى بلغ رتبة مقدم، وقد ارتبط اسمه، في ذاكرة من عرفوه، بصفات أصبحت جزءًا من صورته الشخصية والمهنية: النزاهة، ونظافة الكف، والاستقامة، والابتعاد عن مواطن الشبهة. وتشهد له بذلك شهادات من عرفوه وعاصروه في حياته المهنية.
في زمن كانت فيه الوظيفة العامة كثيرًا ما تُقاس بما توفره من نفوذ ومكاسب، اختار هو أن يجعل من الوظيفة تكليفًا لا امتيازًا، وأن يحافظ على المسافة التي تفصل رجل الدولة عن المنفعة الشخصية.
ولم يكن غريبًا، والحال هذه، أن يتحول احترامه من رتبته إلى شخصه، وأن يقدّر أهله وأبناء عائلته مسيرته تقديرًا خاصًا. ففي السنة 1960 قدمت له عائلة أبو الحسن كأسين من الفضة وسيفين مذهّبين، عربون تقدير لمسيرته الناصعة في قوى الأمن الداخلي. وكانت تلك اللفتة العائلية ذات معنى رمزي عميق؛ فالفضة والسيفان يجسدان قيمتين في شخصه: صفاء السيرة من جهة، والشجاعة من جهة أخرى.
عاصر فؤاد أبو الحسن أزمات سياسية متعاقبة، وشهد أحداث العام 1958 التي هزت الاستقرار الداخلي، ثم مرحلة إعادة بناء الدولة ومؤسساتها، كما عايش التوترات التي أحاطت بلبنان نتيجة الصراع العربي الإسرائيلي والقضية الفلسطينية، وهي أحداث تركت آثارها العميقة على الأمن الداخلي. وكان الجنوب اللبناني بصورة خاصة مرآة لهذه التحولات حيث أصحت الحدود الجنوبية مسرحًا للتوتر، بعد أن تتابعت الاعتداءات والمواجهات على مر العقود، ووقع لبنان، تحت تأثير مباشر للصراع العربي الإسرائيلي. وقد وثقت المصادر الرسمية للجيش اللبناني سلسلة طويلة من المواجهات على الحدود الجنوبية، بدءً من المالكية، إلى مواجهات السبعينيات والاجتياحين الإسرائيليين في العامين 1978 و1982، وصولًا إلى أحداث التسعينيات.
وكان من الطبيعي أن تترك هذه الظروف أثرها في عمل رجال الأمن.
فالدولة التي كان يعمل فؤاد في مؤسساتها لم تكن تعيش زمنًا مستقرًا بصورة دائمة؛ كانت تتعامل مع الحدود المضطربة، والتوترات السياسية، والتبدلات الاجتماعية، وتنامي حضور القضية الفلسطينية في الحياة اللبنانية، وما رافق ذلك من تحولات أمنية وسياسية متلاحقة.
وعندما انتُخب سليمان فرنجية رئيسًا للجمهورية في 17 آب 1970، كان فؤاد أبو الحسن قد جمعته بالرئيس المنتخب علاقة طيبة تعود إلى فترة خدمته في زغرتا.
فدعاه لزيارته في زغرتا، في لفتة تعكس تقدير الرجل السياسي للعسكري الذي عرفه في ميدان الخدمة.
تجاوزت تلك الدعوة، التقدير الرسمي؛ إلى التحيّة الشخصية حيث رأى فرنجية بفؤاد أبو الحسن نموذجًا من رجال الدولة الذين لا يبحثون عن الأضواء، بل يفرضون احترامهم من خلال حضورهم وسلوكهم وشجاعتهم. ولعل أجمل ما في تلك العلاقة أنها بقيت، كما تروي العائلة، قائمة على الاحترام المتبادل.
ثم دخل لبنان مرحلة أكثر اضطرابًا. ففي 13 نيسان 1975 اندلعت الحرب، لتدخل البلاد في النفق الأسود ضحية زلزال سياسي وأمني واجتماعي أعاد تشكيل حياة اللبنانيين، وأصاب مؤسسات الدولة نفسها، وفرض على الأجهزة الأمنية والعسكرية ظروفًا بالغة القسوة.
بقي فؤاد أبو الحسن ابن مؤسسة الدولة، مؤمنًا بالقانون، مظلة تحفظ ما يمكن حفظه من كيان الوطن. ولم تكن المرحلة سهلة على أي رجل أمن؛ فقد انقسمت البلاد، وتداخلت فيها القوى المحلية والإقليمية، وتعرضت المؤسسات الرسمية لضغوط غير مسبوقة. لكن الرجال الذين عاشوا زمن الدولة قبل الحرب حملوا في وجدانهم صورة أخرى للبنان، لبنان المؤسسات والأنظمة والدوائر الرسمية والقانون الواحد الذي يجب أن يسري على الجميع.
وحين اجتاحت إسرائيل لبنان في العام 1982، بدأت مرحلة جديدة من العنف والانقسام. ومع ذلك، استمرت مؤسسات الدولة، بما فيها الأجهزة الأمنية، في أداء ما تستطيع من واجباتها وسط ظروف بالغة الصعوبة. ثم جاءت سنوات الثمانينيات المتأخرة لتفتح بابًا آخر، هو باب التسوية الوطنية التي أفضت إلى اتفاق الطائف وإعادة تنظيم الحياة السياسية اللبنانية على قاعدة إنهاء الحرب وإعادة بناء مؤسسات الدولة.
في بداية التسعينيات، دخل لبنان مرحلة إعادة تكوين مؤسساته الأمنية والعسكرية بما فيها إعادة تنظيم القوى الأمنية والعسكرية، واستيعاب نحو ستة آلاف عنصر من الأحزاب اللبنانية في الجيش وقوى الأمن الداخلي في السنة 1991، مع افتتاح معسكرات لتأهيلهم.
كان فؤاد أبو الحسن قد بلغ في تلك الفترة مرحلة متقدمة من العمر، وهو يختزن، مسار جيل لبناني كامل عاش التحول من لبنان القديم إلى لبنان الدولة الحديثة، ثم شهد انكسار الدولة في الحرب ومحاولات استعادتها لاحقًا.
في أيار 2000، إنسحبت القوات الإسرائيلية من معظم الأراضي اللبنانية التي كانت تحتلها.
ولعل القدر شاء أن تكون السنة 2000 آخر سنة في حياة المقدم فؤاد أبو الحسن، وأن يرحل في 12 تموز منها، بعد ستة وثمانين عامًا من الحياة، وبعد أكثر من نصف قرن من الخدمة والمسؤولية. كان رحيله في ذلك الصيف أشبه بإغلاق صفحة من صفحات جيل كامل؛ جيل عاصر نشوء الجمهورية، وخدم في مؤسساتها، وشهد أفراحها وأزماتها وحروبها وانتصاراتها وانكساراتها.
الأوسمة التي حملها في نهاية مسيرته سجل رمزي لرحلة طويلة من العطاء.
حاز وسام الأرز الوطني برتبة فارس، ثم وسام الأرز الوطني برتبة ضابط، ووسام الاستحقاق الوطني البرونزي، ووسام الاستحقاق الوطني الفضي، ووسام فلسطين، ووسام الشجاعة، فضلًا عن العديد من التنويهات التي تلقاها من المدير العام لقوى الأمن الداخلي تقديرًا لجهوده وخدماته.
غير أن أعظم ما تركه فؤاد أبو الحسن سيرة رجل عاش حياته مؤمنًا بأن قيمة الإنسان فيما يتركه في نفوس الناس، وأن الرتبة تزول، والوظيفة تنتهي، والزي العسكري يُعلّق يومًا في خزانة، لكن السيرة النظيفة تبقى. لذلك ظل اسمه، في ذاكرة عائلته ومن عرفوه، مقترنًا بالنزاهة ونظافة الكف والشجاعة والوفاء.
وبعد وفاته، قدمت له عائلته الكريمة درعًا عربون وفاء وتقدير، وكأنها أرادت أن تقول إن مسيرة الرجل لا تنتهي بموته.
روحيّته الوطنية المتجذرة والمنفتحة على مختلف الثقافات الفكرية اللبنانية عززت رغبته في معالجة رواسب الحرب الطائفية والتفرقة المناطقية.
إمتاز بثقافة واسعة ودقة الملاحظة والقدرة على التركيز الطويل. هو متواضع بطبعه لكنه صلب يتمسك بالحق ولا يرضى بغير الصدق وسيلة للتعاطي بين الناس. يتحلّى بمواصفات عديدة ومزايا متنوعة.
مع التزامه قضية الدفاع عن لبنان أرضًا وشعبًا وحضورًا حضاريًا، رفض كل تفرقة عنصرية او طائفية، ورأى في التنوّع ثروة إنسانية تضفي على المجتمع جاذبية وتمنحه مطواعية في مواجهة كل ظواهر الانحطاط التي يتخبط بها العالم اليوم.
واكب فؤاد أبو الحسن الجمهورية اللبنانية في مسيرتها على امتداد القرن العشرين، فعاينها وهي تسلخ عنها ثوب الانتداب وتتحرر مستقلة وموحّدة. عايشها وهي تنهض باقتصادها وتتقمص صورة سويسرا الشرق ورافقها في زمن الحرب الباردة وهي تقف في وسط حلبة الصراع العربي الإسرائيلي. ثم دخل معها نفق الحرب القاتم السواد وخرج معها إلى آفاق الإنماء والإعمار وقوس قزح السلام المولود بين سطور اتفاق الطائف.
من موقعه هذا، تلمّس البيغ بونغ السياسي الدولي الجديد مع انهيار الاتحاد السوفياتي ومنظومته الدولية وجنوح العالم نحو الدوران حول القطب الأميركي الأوحد وفق استراتيجية العولمة الجديدة.
في أحلك المراحل التي مرّ بها وطن الأرز، وقع الخيار عليه للمساعدة بخبرته وجرأته وصدقية انتمائه الوطني في عملية تضميد جرح المجتمع اللبناني الممزّق.
وفي خضم عاصفة هوجاء ضربت الكيان اللبناني في كل اتجاه، كان المطلوب من المؤسسة العسكرية أن تنشط داخليًا في إطار حركة وقائية ودفاعية في آن، تحفظ هيكليتها وتحافظ على شفافية أدائها وديمومته طوال سنوات المحنة.
من خلال توليه مهماته، وبعينه الساهرة، شارك في ضبط الأمن وتنفيس كل احتقان، وإخماد براكين المؤامرات، متخذًا من القانون مظلّة عمل في سبيل تمددها على طول مساحة جغرافيا الوطن، وبسط ظلّها على مجموع الشعب اللبناني دون تحيّز أو تمييز أو تفرقة.
بقي المقدم فؤاد قاسم أبو الحسن في ذاكرة عائلته رجلًا من رجال الدولة، وفي ذاكرة رفاقه ضابطًا نزيهًا شجاعًا، وفي ذاكرة وطنه واحدًا من أبناء ذلك الجيل الذي حمل لبنان على كتفيه في زمن كان الوطن فيه يتشكل، ثم يتعثر، ثم يحاول النهوض من جديد.
وبين أول نفس تحسّسه في بلدته بتخنيه وآخر يوم من حياته في تموز 2000، امتدت ستة وثمانون عامًا اختصر فيها سيرة رجل عاش للبنان، وخدم مؤسساته، وصان اسمه، ومضى تاركًا خلفه ما هو أبقى من الرتبة: سيرةً نظيفةً وذكرىً طيبةً واسمًا يستحق أن يبقى في سجل الرجال الذين خدموا وطنهم بتجرد وشرف.
إعداد: أنطوان فضّول