مـيــشـــال روحــــانـــــا
رئيس جمعية الفنّانين التشكيليين
إعداد: أنطوان فضّول
لوحات بنبض النور
ترتسم لوحات ميشال روحانا مشاعل ضوءٍ تتوهّج في ارتعاشاتها، وتمتزج فيها الومضات الشفافة بهواءٍ نقيّ ينساب بين طبقات اللون.
إمتلأت خلايا أعماله بذلك الوميض الخفي الذي منحها فرادتها، فانبثق منها سرُ جذبٍ لا يشيخ، وكأن الخلود اختار أن يتجلّى فيها.
تراكبت التقنيات فيها بتدرّج مدروس، فازدادت ثقلاً في معناها وعمقها، واتّسعت في بعدها الفني لتلامس حدود الابتكار، كما لو أنّ كل خطٍّ ارتسم على سطحها حمل خبرة السنوات.
تشابكت في تلك الأعمال علاقة شفافة بين النور واللون، فتفاعل العنصران في صميم تكوينها، وارتسمت منهما حياة تنبض بوجدان الفنان وتطلّعاته.
إنحنى اللون أمام سطوة الضوء حيناً، ثم تمدّد حيناً آخر، فانبثقت من هذا الامتزاج لحظة فنّية تحاكي صراع الوجود وتكامله في آن.
وبدت اللوحة ساحة التقاء بين العناصر، تبحث عن ذاتها بين أطياف الأنوار السرمدية، لترفع المسار الفني إلى مرتبة التأمل الروحي.
حملت أعماله من فيضها ما يسمو بالروح ويشدّها إلى مراتب الطمأنينة، حتى غدت كل لوحة سفراً نحو الصفاء، ورحلةً تخطّ دروبها نحو السلام الداخلي.
وتحوّل التأمل فيها إلى صلاة صامتة، إذ تفتح باب الوصول إلى الله تعالى، حيث يكتمل الحضور ويتجلّى الكمال.
الإطار العائلي
وُلد ميشال روحانا في الأشرفية بتاريخ الرابع والعشرين من تشرين الثاني في العام 1954، في منزل قرميده أحمر وطابعه جبلي وسط المدينة.
عاش طفولته في ظلال والده إبراهيم روحانا، ووالدته جميلة الأشقر.
أما حياته الزوجيّة فتشكّلت على صورةٍ منسجمة مع هدوء طبيعته، فاقترنت مسيرته بماريا يونس، وثمرة اتحادهما ابنتان، ماري نوال وكاريل، اللتان منحتا البيت امتداداً للسكينة التي أحاطت مساره الإبداعي، فغدا حضوره بين أسرته فضاءً يتسع بالمحبة، ويمنحها من روحه ما يعمّق توازنها.
في صحيفة البيرق الصادرة في 21 نيسان 1994 سلّط الصحافي الياس فرنسيس الضوء على طفولة ميشال روحانا وخصوصية موهبته الفنية فقال :
"أطل هذا الفنان الشاب على العالم سنة 1954 ، فأبصر النور من خلال نافذة بيت آبائه وأجداده "العقد القديم" في بلدة عاريا القائم على إحدى هضابها ، تحيط به غابة كثيفة من أشجار الصنوبر، والسنديان، والريحان.
فتكحلت عيناه منذ طفولته بألوانها الغنية الزاهية، وانطبع في أعماق خلايا ذاكرته حب الطبيعة الخلابة.
.
.
وانتقل ميشال روحانا مع والديه إلى بيروت ، فكان وهو في دراسة الابتدائية يغتنم فرصة خروجه إلى الملعب لينسحب إلى إحدى الزوايا فيرسم بالأقلام الملونة واجهة المدرسة وأشجار الكينا المحيطة بها فيتحلّق من حوله الرفاق معجبين بتلك الرسوم البديعة.
وكانت دائمًا علامة الرسم التي ينالها روحانا في تلك الفترة هي الأعلى بين جميع رفاقه.
في بيروت
هكذا قضى روحانا معظم سنوات طفولته وصباه في بيروت، المدينة التي احتضنت تحوّلاته الأولى وفتحت أمامه نوافذ الحلم والبحث.
رافق نبض شوارعها، وتشرّب من تقلباتها، فاختزن في ذاكرته وجوهها ومطارحها وأحداثها والألوان.
عاش في قلب العاصمة مراحلها المتعاقبة، كما شاهد جراحها، فشكّلت تلك التجارب أساساً لروحٍ تماهت مع زمنها.
الرسّام الصغير وطيف الأم
بدأت علاقة ميشال روحانا بالرسم في سن الخامسة، حين تفتّح الوعي الأول على عالمٍ منزليّ هادئ تتصدّره والدته جميلة، المرأة التي امتهنت التطريز، وفي قلبها حدس عميق بأن في طفلها موهبة تنتظر شرارة كي تتقد.
كانت تجلس إلى جانب الضوء، تنسج خيوطها على القماش، فيراقبها بعيونٍ تتّسع إعجابًا كلما تحوّل الخيط لوناً واللون شكلاً والشكـل حياة.
مع الوقت تحوّل ذلك المشهد اليومي بوابةً أولى دخل منها إلى عالم الفن.
تأثّر بروعة يدَيها إلى حدّ أنّ الرسم بدا له امتداداً لتلك الحركة الهادئة التي كانت تخيط بها والدته تفاصيل الزهور والبيوت والوجوه على الأقمشة البيضاء.
أمسك القلم وحاول أن يقلّد ما كانت تنسجه.
ومع كل محاولة، كان الخط يتطوّر، فتتحوّل الورقة في يده الصغيرة إلى مساحة حياة تتنفّس عبرها الأشكال والأحلام.
من خلال هذا التقليد البسيط انفتحت أمامه أبواب عالمٍ آخر، لا تحدّه عقدة ولا تحكمه قواعد، بل يترك له حرية تكوين معناه الخاص.
كان لوالدته الأثر الأكبر في صقل هذه الموهبة الناشئة.
لم تكتفِ بأن تترك له مساحته، بل أحاطته بالتشجيع الذي يثبّت الخطوات.
رأت في تلك الرسومات الطفولية ما يتجاوز اللعب العابر.
كانت تنحني فوق أعماله الأولى، تبتسم لذلك الخليط من العفوية والجرأة، وتلمس في كل خطّ ملامح فنان يتكوّن بصمت.
هي التي اكتشفت فيه المبدع قبل أن يكتشف هو ذاته، وهي التي رأت فيه رساماً يمتلك النظرة والرؤية.
ومن خلال دفئها ونظرتها المليئة بالإيمان بطاقته، عاد الرسم ليصبح لغة تعبيره الأولى.
على كتف وادي قنوبين
أمضى ميشال روحانا في طفولته ثلاث سنوات في بلدة حصرون، القرية المعلّقة على كتف وادي قنوبين، حيث بدت الطبيعة أشبه بكنيسة مفتوحة على السماء، وحيث اتّسع الأفق أمام عينيه.
هناك، عند تخوم الوادي المقدّس، تسلّل إليه ذلك الهمس العميق الذي يخرج من جوف الصخور ومن انحناءة السنابل ومن تدرّج الأخضر على سفوح الجبال.
بدا هذا الصمت كأنه كائن حيّ يرافقه أينما مشى، فيحيطه بسلامٍ خفيّ.
في تلك السنوات المبكرة، لمس جوهر السحر الكامن في الوادي، والذي يتسرّب في القلب شيئاً فشيئاً، ويصوغ الوجدان على مهل.
كان يجلس على صخرة عالية، يراقب انحسار الضباب عن الوديان، ويرى الألوان وهي تغيّر وجوهها مع دوران الشمس.
مع كل صباح كان المشهد يتبدّل، ومع كل مساء كانت السماء ترسم له لوحة جديدة.
تحوّلات يومية رافقت خياله، ومع مرور الوقت، وجد هذا السحر طريقه إلى لوحاته.
فدخل الوادي في ألوانه، واستقرت همسات الطبيعة في ضربات ريشته، وظهرت في أعماله تلك الشفافية التي تشبه ضوء الصباح فوق سفوح قنوبين، وذلك الامتداد الهادئ الذي يشبه انحدار الوديان في صمتها الأبدي.
أصبحت لوحاته مشبعة بذلك الصمت النقي الذي اكتشفه بين الصخور، وبتلك الروح الجبلية التي تطلّ على العالم من علو، وتمنحه قدرة على رؤية الجمال في التفاصيل الصغيرة.
بقي أثر الوادي المقدس محفوراً في قلبه ويديه، يشكّل بصمة لا تنفصل عن مسيرته الفنية.
وما زالت لوحاته حتى الآن تحمل شيئاً من تلك السنين الثلاث، تنتعش من شهيق الوادي وزفيره، وترتوي من سرّ الصمت الذي دخل إليه طفلاً وخرج منه فناناً.
زيارات ميشال روحانا إلى غابة الأرز الخالدة محطات مضيئة في تكوينه الروحي والفني، كأنّ الغابة نسجت له مع الزمن علاقة سرّية لا يفهمها إلّا من وقف تحت تلك الأشجار العملاقة التي تحمل ذاكرة العصور.
كلما قصدها، تلمّس الجذور الهرمة تتحرّك في داخله، والوقوف في حضرة أرز الرب يشبه الوقوف أمام نافذة مفتوحة على الأبدية.
حين كانت الثلوج تغمر المكان في الشتاء، كانت الطبيعة ترسم أمامه لوحةً سماوية، بياضها الصافي يمتد بلا نهاية، فيبدو المشهد كأنّه جنةٌ نبتت في الأرض.
تعمّق أثر هذه الزيارات حين اقترنت بنشوة الوادي المقدس القابع بين الجبال، حيث يمتزج التاريخ بالروحانية، وحيث الضباب لا يهبط على الأرض بل يرفعها، فيغطي السفوح كستارة شفافة تجعله يتحرر من ثقل التراب ليقترب من السماء.
مع كل صباحٍ يشرق على قنوبين، كانت أصوات الأجراس تتردّد في أرجاء الوادي، فتختلط أصداؤها بنبرات الترانيم الآتية من الأديرة المنتشرة على كتف الجبل، تُمازج بين الصوت والضوء فيغدو الضباب أشبه بقدّاسٍ صامت يعيش سمفونيته.
تجلّى تأثير القداسة في مسيرته، خصوصاً في مشهدية الناسك أنطونيوس طربيه، ذلك الوجه الملائكي الذي حمل في قسماته شفافية المتعبّدين ونقاء الذين وهبوا حياتهم للصلاة.
قصة هذا الناسك، وملامحه، وعزلته في حضن الطبيعة، شكّلت في خيال روحانا رمزاً للصفاء المطلق.
عندما عاينه، انتابه شعور بالوقار والرهبة، لا يزال ماثلاً أمامه إلى اليوم.
بدا له كأن حضوره يتجاوز المظهر الخارجي، ليملأ المكان ويشعّ صمتاً يحاكي طمأنينة الروح وقدسيتها.
لم يتوقّف سحر الوادي عند حدوده الروحية، بل امتدّ إلى قلب حصرون نفسها، تلك البلدة التي عشق روحها وسهراتها التراثية ودفء ناسها.
كانت أمسياتها الشعبية تضخّ في روحه طاقة من الفرح الأصيل.
أمّا البيوت المشيّدة بالحجر القديم والمغطاة بالقرميد الأحمر، فقد شكّلت في وجدانه مشهديات ثابتة، تلوّن ذاكرته، وتنساب إلى مخيلته فتمنحه موضوعات جديدة للرسم، يستعيد عبرها جمال المكان ودفء أهله وأصالة الجذور.
هكذا امتزجت زياراته لغابة الأرز بأجواء الوادي المقدس وروح القرى المحيطة، فكوّنت في داخله مرجعاً جمالياً لا ينضب، وأصبح كل ما رآه هناك — الضباب، الأجراس، الأديرة، الناسك، السهرات، والقرميد — مكوّناتٍ حية في لوحاته.
عن منطقة قنوبين وتأثيرها على الفنان روحانا يقول الشاعر هنري زغيب في مجلة "أجنحة الأرز" لقد "غذّت فيه حس الطبيعة وزادت لديه الحنين في حضنها ونبضة الهيبة (ارتفاع الجبل وعمق الوادي) وغرابة المشاهد (الثلج الباقي في حنايا المغاور حتى في حرّ آب) ولمس الطبيعة على حقيقتها بين منعطفات الجبل وعيون ماء متفجرة من قلب الصخر، ورهبة الوقوف أمام ذلك الحبيس الذي طبعه بناسوته المتنسّك.
وكان يعود من ذلك الصيف ممتلئًا طموحًا وهدوءًا وقوة تركيز وعمق تفكير ووساعة أبعاد وآفاق تحليق إلى الفكر البعيد.
"
إختبر ميشال روحانا الطبيعة وَلاّدة حياة لا تموت، بل تتجدد في كل فصل وكل نسمة.
كانت الأشجار، والجبال، والأنهار، والضباب، وحتى حركة الضوء على الأرض، تدفعه للتأمل، وتجعله يقترب من الله بفطرته، كأنما كل لحظة يقضيها بين أحضان الطبيعة عبادة صامتة وتمجيد مستمر للخالق.
من هذا التأمل استمد الإلهام، فغدت لوحاته تنبض بالحياة، وتحمل في طياتها إحساساً بالسمو والقداسة.
الدراسة الأولى والليرة اللبنانية
تلقّى علومه بداية، في مدرسة اللعازارية، في الأشرفية، ورسمت تلك السنوات ملامح شخصيته الفكرية في بيئة تربوية حملت شيئاً من الانضباط وشيئاً من الانشراح، فأنبنت في داخله عادات السعي الدؤوب والدقة في التفاصيل.
في سنواته المدرسية الأولى، صدرت الليرة اللبنانية، تحمل على وجهها قلعة بعلبك، وعلى وجهها الآخر مغارة جعيتا.
أثارت هذه العملات خيال ميشال روحانا الصغير، فاستل قلم الرصاص، وبدأ برسم نسخة دقيقة ومرهفة لما شاهده، جامعاً بين قلعة بعلبك ومغارة جعيتا في لوحة تنبض بالتفاصيل وروحانية المشهد.
لم يمرّ هذا العمل الصغير دون أن يلاحظه القائمون على المدرسة، فقد جذب اهتمامهم بدقة التنفيذ وعمق الرؤية التي حملها فنان لم يتجاوز التاسعة من عمره.
على أثر ذلك، أخذوه لمعاينة رئيس الدائرة، الذي استقبله بالترحاب وأبدى إعجابه بموهبته المبكرة، ومنحه هدية تقديرية، شكلت لفتة تشجيع لمسيرة نبوغه الفتيّة.
تجربة وضعت حجر الأساس لثقته في نفسه، وأشعلت بداخله رغبة أعمق في الرسم.
تابع مساره الدراسي في ثانوية الأشرفية، فازدادت آفاقه اتساعاً، ولامست نظرته إلى العالم نضجاً مختلفاً، وارتبطت تلك المرحلة بحيوية الشباب وما حمله من شغفٍ بالبحث والاختبار والملاحظة.
مع تقدّمه في مساره العلمي، إنجذب إلى عالم الأرقام وتحليلها، فانتقل إلى دراسة المحاسبة التي فتحت أمامه آفاقاً جديدة من الفهم والتنظيم والمنهجية.
إجتهد في مشواره الأكاديمي، وانصرف إلى تطوير مهاراته.
وتمكّن في العام 1978 من نيل دبلوم خبير محاسبة.
زيت الزيتون واللوحات الأولى
تعمّقت في روحانا الحاجة إلى الرسم حتى غدت جزءاً من تنفّسه اليومي، كأنّ الفكرة لا تكتمل في داخله إلا إذا تحوّلت خطاً، ولا المشهد يستقرّ في ذاكرته إلا إذا صيغ لوناً.
كان ذلك الشغف في بداياته أكبر من معرفته بتقنيات الفن، لذلك لجأ إلى ما توفّر له في البيت، فاستعمل زيت الزيتون ليرسم على الورق قبل أن يدرك لاحقاً أنّ للرسم زيوته الخاصة وأنّ القماش هو المساحة الطبيعية التي تحتضن الألوان.
مع ذلك، لم يشكّل نقص الأدوات أي عائق أمام انطلاقته الأولى، بل زاده إصراراً على الابتكار، فحوّل المواد البسيطة المتاحة بين يديه إلى وسائط تعبّر عن رؤيته الناشئة.
كانت تلك المرحلة أشبه بتجربة فطرية صافية، اندفع فيها القلب قبل الخبرة والتقنية.
حين كان يغمس ريشته البدائية في زيت الزيتون، كان اللون يأتي خافتاً وشفافاً.
وكانت اللوحات التي نتجت عن تلك المحاولات الأولى تتنفّس جماليات رغم بساطة موادها.
طوروسيان المعلم الملهم
عند انتقال ميشال روحانا إلى ثانوية الأشرفية، تظهّرت موهبته ولفتت رسوماته انتباه أستاذه في الرسم، الفنان هاروت طوروسيان، الذي امتلك قدرة فريدة على قراءة الخطوط الأولى التي يرسمها تلاميذه، والتمييز بين الهواة العابرين وتلك الأرواح التي تحمل في داخلها نواة موهبة حقيقية.
منذ أن شاهد أعمال روحانا الأولى، أدرك أنّ أمامه طاقة فنية تحتاج إلى رعاية.
فعرف كيف يوجّهها ويصقلها، وبدأ بتعليمه الرسم بالأكواريل، والتحكم بالماء واللون، والتدرج في الشفافية.
قال له يومًا بكلمات رؤيوية عميقة، “ستصبح رساماً وفناناً كبيراً”.
كلمات رسّخت في قلبه شعوراً بالثقة والطموح، وجعلت من حلمه طريقاً واضحاً للمستقبل.
أولى طوروسيان اهتماماً خاصاً بروحانا.
تعامل معه كموهبة تحتاج إلى إشعال شراراتها الداخلية.
راقب حركته على الورق، وصحّح بخفّة، وقدّم نصائح وفتح الأبواب من دون أن يفرض الدخول إليها.
هكذا بدأت الموهبة تتّسع، والخطّ يزداد ثقة، والحسّ الفني يتشكّل بصمت.
أدخل طوروسيان روحانا إلى عالم تقنيات الرسم، وعلّمه كيف تُمسك الريشة بخفّة، وكيف يتدفّق اللون فوق المساحة البيضاء كأنه نسمة، وكيف تُدار علاقة دقيقة بين اللون والضوء ليولَد من تفاعلهما أثرٌ لا يمكن تقليده.
في ظلال النحّات رشيد سمعان
خلال سنواته في الثانوية، تعرّف ميشال روحانا على النحات رشيد سمعان، الذي لعب دوراً مؤثراً في صقل رؤيته الفنية وتعميق فهمه لمبادئ الرسم.
كان سمعان أستاذاً صارماً لكنه حكيم.
علمه أساسيات الرسم وقواعده، على مستوى التركيب والتوازن والإحساس بالمجسم والعمق.
تلقّى روحانا منه دروساً قيّمة في الملاحظة الدقيقة للطبيعة وللإنسان، وكيفية ترجمة تلك الملاحظات إلى خطوط وأشكال على الورق تحمل من الواقعية قدر ما تحمل من التعبير الفني.
أثرت هذه الخبرة تأثيراً عميقاً فيه، وجعلت منه فناناً واعياً لأصول الرسم، قادراً على التحكم في أدواته، وعلى التعبير عن رؤيته بأسلوب متقن ومتوازن، مع الاحتفاظ بحسّه الإبداعي الخاص.
بفضل هذه المعرفة، اكتسب روحانا قدرة أكبر على الدمج بين الأسلوب الحر الذي اكتسبه في طفولته والتقنيات الأكاديمية التي تعلّمها من أساتذته المتميزين، ليصبح بذلك فناناً متكامل الخبرة والرؤية.
فنان يرتقي
هكذا شكّلت سنوات ثانوية الأشرفية منعطفاً أساسياً في مسيرته، إذ لم تعتمد على التعليم التقليدي بقدر ما اعتمدت على ولادة وعي فني جديد.
كانت اليد يدَ تلميذ، لكن النظرة أصبحت نظرة فنان.
سرعان ما ترسّخت موهبة ميشال روحانا وتوسّعت، وبدأت ملامح الفنان المرهف ترتسم فيه بوضوح، فغدت ريشته أكثر ثقة، ورؤيته أكثر نضجاً، وتقنياته أكثر رسوخاً.
تفتّحت قدرته على التقاط التفاصيل، وعلى تحويل المشهد العابر إلى صورة باقية تنبض بحيوية اللون وعمق الضوء.
تجلّت في أعماله موهبة غنيّة تتقدّم بثبات، وتتفوق في تظهير ما يختلج في مخيّلته من رؤى جمالية وروحية، الأمر الذي منح حضوره في المدرسة حضوراً لافتاً، وجعل اسمه يتردّد بين الأساتذة.
بفضل هذا التميّز، استحقّ الجائزة الأولى في الرسم في مدرسته، بعد أن أثبت قدرة مدهشة على صوغ الأشكال وإدارة الألوان، وبرز كأحد الوجوه الشابة الأكثر وعداً في ذلك الزمن.
ظلّ روحانا في بوسطن
غير أنّ امتيازه لم يقتصر على جائزة مدرسية، إذ حظي بامتياز آخر أسّس لمرحلة جديدة في مسيرته.
فقد قرّر الفنان هاروت طوروسيان، أستاذه ومرشده، أن يصطحب معه إلى بوسطن في الولايات المتحدة لوحات رسمها تلميذه روحانا، بعدما لمس فيها قوةً تستحق أن تطلّ على العالم.
حملت تلك الخطوة الكثير من الدلالة، إذ مثّلت اعترافاً مبكراً بفرادة موهبته، وإيماناً عميقاً بقدرتها على عبور الحدود.
عند وصول تلك الأعمال إلى بوسطن، فوجئ الجميع بسرعة انتشارها، إذ حازت إعجاب الجمهور الأميركي، وخطفت الأنظار بأسلوبها المختلف ونَبضها الروحيّ الآتي من الشرق.
لاقت اللوحات تقديراً لافتاً، وتقدّم المشترون إلى اقتنائها، فبيعت في وقت قصير، وترك ذلك النجاح أثراً كبيراً في مسيرة روحانا.
مرت خمسة وعشرون عاماً، عاد روحانا والتقى أستاذه طوروسيان العائد من فرنسا.
كان اللقاء مشحوناً بالذكريات والإعجاب، حيث عاين طوروسيان لوحات تلميذه وقد نضجت، وشاهد كيف تحولت رؤيته إلى أسلوب متكامل يعكس خبرة عشرات السنوات.
وأعاد تأكيد كلماته الأولى قائلاً: “ألم أقل لك ستصبح فناناً عظيماً؟” لتتجدد في روحانا لحظة الفخر والإعتزاز، تلك التي تذكره ببداية الطريق والوعود.
طلب روحانا من طوروسيان أن يترك شهادة مكتوبة على أحد كتبه، فامتثل الأخير وكتب صفحتين، ذكر فيهما بداية اهتمامه بموهبة روحانا، وكيف أخذ له لوحات من توقيعه إلى بوسطن، معبراً عن فخره بما أنجز تلميذه من نجاحات لامست العالمية.
في مستنقع الحرب
اندلعت الحرب، وحملت إلى بيروت المأساة، وارتسمت في شوارعها آثار القصف، وملأت المتاريس الميادين، فتهجر بعض أهلها بحثاً عن الأمان.
وعاش سكانها تحت خطر داهم ودائم.
مع مواصلة دراسته الليلية للمحاسبة، كان تقدم ميشال روحانا للعمل في شركة دباغة يوسف كامل في منطقة الكرنتينا، وقُبل للعمل فيها، لتكون خطوة نحو الاستقلال المالي وتجربة مهنية جديدة يؤمّن من خلالها معيشته ويدعم عائلته.
غير أنّ اندلاع الحرب ووصول جولاتها الأولى إلى منطقة الكرنتينا حال دون استمراره في العمل، فأُوقفت خططه المهنية مؤقتاً، واضطر إلى تأجيل الوظيفة حفاظاً على سلامته وسط دائرة الخطر التي اجتاحت المنطقة.
كانت هذه التجربة في العمل في الدباغة، رغم قصرها، بمثابة درس مهم في مواجهة الواقع القاسي، إذ علمته كيف تتقاطع الحياة اليومية مع الأحداث الكبرى، وكيف يمكن للظروف الطارئة أن تعيد تشكيل مسار الإنسان وتعيد ترتيب أولوياته.
مع ذلك، ظل روحانا متمسكاً بالعمل والدراسة، محافظاً على توازن بين التزامات الحياة اليومية وطموحه الفني والعلمي، مستمداً القوة من عزيمته وإصراره على تجاوز الصعوبات، سيّما وأنّه كان بدأ العمل موظفاً في صيدلية برتي في الأشرفية حيث استمر حتى العام 1998.
العودة لدراسة فن الرسم
بعد سنتين من اندلاع المعارك، قرر العودة لمتابعة دراسة الرسم.
نصحه البعض بالالتحاق بجامعة ألبا.
كان القسط الجامعي يقارب 2000 ليرة، بينما لم يتجاوز راتب الموظف الشهري 200 ليرة، ما جعل الالتحاق بها أمراً مستحيلاً بالنسبة لروحانا.
وبسبب هذا التفاوت الكبير بين الإمكانيات المالية والتكاليف، قرر استبدال الجامعة بالانتقال إلى معهد البروفيسور أسعد رنو، حيث وجد بيئة تعليمية ملائمة وقريبة من قدراته المالية.
فتسجّل في الأكاديمية ونال في العام 1982 دبلوم الرسم.
وفي الوقت عينه، استمرّ في وظيفته في صيدلية برتي.
في مستنقع الحرب
لكنّ بيروت لم تكن مدينة عادية في تلك الحقبة.
فقد عايشها في أوقات صعبة، ومع كل هدنة مؤقتة، وكل سكون تفرضه عاصفة الحرب، كان يراها تعود إلى الحياة، تكتسب لونها من جديد، وتستعيد حركتها وروحها، كأنّها لا تقبل بالاستسلام.
عاش الانفجارات التي كانت تلاحق المدينة وأهلها، وتأثّر بالوجوه التي مرت أمام الصيدلية، وبالأطفال وبالكبار الذين حملوا قسوة الأيام في عيونهم.
كل هذه المشاهد غرسها في وجدانه، فترسخت فيها حدة الوعي الإنساني، وفهمٌ عميق لطبيعة المدينة التي تنزف وتلتئم في الوقت نفسه، ولكيفية صمود الناس وسط الخراب.
إمتزجت خبراته الفنية مع تجربته الإنسانية، فصارت لوحاته القادمة أكثر صدقاً وعمقاً في التعبير عن الواقع والحياة وروحية الجمال.
التهجير المتكرر
خلال الحرب، احترق بيت ميشال روحانا في الأشرفية، وذاق علقم التهجير مع عائلته، فكان يحملها معه في كل معركة تندلع، متنقلاً بين أماكن آمنة بحثاً عن مأوى وسط الدمار والدماء.
أقامت العائلة فترة في بلدة الصفراء، حيث وجد روحانا بعض الأصدقاء.
وكان يزور تكرارًا وادي نهر إبراهيم، متأملاً الطبيعة، يستشعر الحياة المتجددة بين الأشجار والمياه المتدفقة، ويتأمل عمق الطبيعة الذي يلامس روحه، ويمنحه شعوراً بالطمأنينة رغم الفوضى التي تحيط به.
هذا الاتصال بالطبيعة، حتى في أصعب الظروف، كان مصدر إلهام له وملجأ للسلام الداخلي، إذ وجدت لوحاته التي كانت تتشكل في هذه الفترة انعكاساً لتأملاته وأحاسيسه تجاه الحياة والحرية والجمال، متجاوزة حدود الألم الشخصي لتصبح شهادة فنية على الصمود والجمال وسط الخراب.
بخعازي
بعد سنوات من الجدّ والاجتهاد، نال في العام 1982 دبلوم الرسم، ليكون هذا الإنجاز بمثابة شهادة على إتقانه التقنيات الكلاسيكية، وعلى استعداده لمرحلة جديدة من مسيرته الفنية، مرحلة يمزج فيها المعرفة الأكاديمية بالخبرة الذاتية، والرؤية الإبداعية بالمهارة الفنية، فتصبح لوحاته أكثر نضجاً وأكثر قدرة على التعبير عن الضوء والروح والعمق الذي يميز شغفه الفنّي.
مرّ ميشال روحانا يومًا بالقرب من جاليري بخعازي، الجاليري الأشهر في لبنان، وكان يأمل لو تُعرض أعماله فيه.
ثم قصده يومًا حاملاً لوحة أراد تأطيرها، فلفتت انتباه أصحاب الجاليري، وأبدوا إعجابهم بها، واشتروها على الفور.
عن بداية هذه العلاقة الفنية قال هنري زغيب: "وفي تلك الفترة المبكرة كذلك، حمل ذات يوم ثلاث لوحات له إلى غاليري بخعازي (غاب سنتر) كي يأطرها، فأعجب بها نادر بخعازي (صاحب الغاليري) وطلب منه أن يبيعها له فوافق فرحًا.
وفي اليوم التالي اتصل به نادر بخعازي طالبًا منه غيرها لأنه باعها جميعها.
ومن يومها كرّت السبحة، وتعهّد نادر بخعازي أعمال ميشال روحانا فترة طويلة ، فأقام له معارض فردية وأشركه في معارض جماعية.
يقول زغيب إن روحانا يعترف "بأن الفضل في اطراد شهرته وانتشار أعماله يعود في جزء منه كبير، إلى غالري بخعازي (وصاحبها نادر بخعازي وزوجته سهيلة التي حملت أعماله إلى غالريات أخرى خارج لبنان.
عدا تسويقها في غاليري بخعازي، وكانت صاحبة المبادرة بإرشاد مسؤول كبير في الميدل إيست إلى أعماله حتى أصبحت أغلف لوائح الطعام في الطائرة)".
ظل روحانا لثلاثة أيام يحمل اللوحات إليهم، ويبيعها واحدة تلو الأخرى، وكانت أول لوحة بيعت مقابل 1000 ليرة.
بعد ذلك، طلب الإخوان بخعازي منه أن يحضر كل ما ينتجه من لوحات، ليشتروا ما يعجبهم.
روحانا في مدينة الحرف
في العام 1983، حطّت خطوات ميشال روحانا في مدينة جبيل، المدينة العريقة التي تحمل بين أحضانها إرثاً تاريخياً وثقافياً يمتد إلى أقدم العصور.
نظم معرضه الفني الأول في مركز عشتار، تحت إشراف غيث خوري، رئيس إقليم حزب الكتائب الذي حرص على توفير كل الترتيبات اللازمة لإنجاح هذا الحدث الفني البارز.
إفتُتح المعرض برعاية الشيخ بيار الجميل، في احتفال حاشد، عكس التلاحم بين الأصالة والتراث والإبداع المعاصر.
كان الجو مشحوناً بالحيوية والفن، حيث تسامرت الموسيقى مع لوحات روحانا، وأضاءت الألوان الزاهية جدران المركز، فخلقت أجواءً تتسم بالثقافة الرفيعة والفن الراقي، جعلت الحاضرين يعيشون تجربة حسية وفكرية متكاملة.
في هذا المعرض، نجح روحانا في بيع عدد من لوحاته، ما أضفى بعداً عملياً على الحدث، وأكد مدى قدرة أعماله على التواصل مع الجمهور وتلبية ذوقه الفني.
لكن الأثر الأعظم كان روحياً وثقافياً؛ فقد ترك صدى عميقاً في مدينة جبيل، التي لطالما شكّلت جزءاً من تاريخ البشرية ووعاءً للذاكرة والجمال.
كان احتفالاً عظيماً.
شكّل معرضه في مدينة الحرف محطة بارزة في مسيرة روحانا، حيث أظهره عرّاب التراث اللبناني العريق.
أضواء على معرض كاليري بخعازي
في العام 1986 وعلى ضوء معرضه في كاليري بخعازي كتبت مي منسّى في النهار (الجمعة 21 تشرين الثاني):
"رؤية منسجمة من ميشال روحانا في موضوع القرية والمناظر الطبيعية في مختلف فصولها.
فثمة قاعدة عنده وإن اختار لها البيت القديم والجرن وسبيل الماء والحيطان المعشوشبة، عناصر إيحاء وإلهام استهلكها قبله رسامو الطبيعة ومعالجو الألوان المائية، إلا أن الفنان الشاب، وهو وحده للمرة الاولى في غاليري بخعازي خرج عن المائيات التقليدية حيث قرميد أحمر ودروب ملتوية وقناطر وأقبية، فألقى مناخًا خاصًا على المشهد، جديدًا في عين الزائر، وأشعل الشوق إلى التنـزه في حنايا قرية منسية والتوقف بشهية إزاء سلّة تين وبإمعان عند اوراق شجرة منقوشة بدقّة وبال، والاستماع بانتعاس إلى ومضة المياه تتدفق على سلّة عنب أسود.
فتلميذ طوروسيان، ولو استوحى من معلمه هدوء المنظر وسكينته، نقل بتهذيب ريشته وباله المتيقظ لأخلاقية الطبيعة قبل تفاصيلها الدقيقة، إيماءة الأوراق في ولادتها ورحيلها وحركة الناس في عاداتهم ورموز وجودهم ولعبة الزمن في الحجر بضمير يتوغل إلى أبعد من امامية المنظر منقبًا عن اللامرئي.
وحتى الالتحام الكلي بينه وبين الطبيعة آل إلى زوايا جديدة لم تعبث بها يد ، حتى ليبدو معرضه في شموليته خاصًا بمنظاره وأسلوب نقشه التفاصيل وانهماكات الناس في يومياتهم وجديتهم حيال الحياة، فما من حركة إلا تحمل انعتاقًا من المادة المتعلقة بها.
ولا أعشاب نابتة في حجارة جدار إلا ترمز إلى فعل الزمن في كل ذرّة تربة.
وروحانا في الكسليك
لاحقًا، مع افتتاح منتجع البورتميليو في الكسليك، شارك ميشال روحانا في معرض جماعي جمع عدداً كبيراً من الفنانين التشكيليين اللبنانيين، ليكون مساحة للتلاقي الفني وتبادل التجارب.
قدم روحانا في هذا المعرض مجموعة من أعماله، ونجح في بيع خمس وثلاثين لوحة.
بعد هذا المعرض، شرع روحانا في تجميع لوحات جديدة، آملاً أن يتمكن قريباً من تنظيم معرض فردي مستقل، يقدّم فيه رؤيته الفنية بالكامل، بعيداً عن المشاركة الجماعية، ليتيح للجمهور فرصة الاطلاع على أسلوبه الخاص.
في الوقت نفسه، واصل عمله الليلي في الصيدلية، محافظاً على توازنه بين الواجب المهني والالتزام الفني.
سعيد عقل وإبداعات روحانا
نجح روحانا في تجميع مجموعة متميزة من لوحاته، ليعلن في العام 1986 عن معرضه الفردي الخاص، وكان مناسبة لإظهار أسلوبه المتفرد، حيث عرض فيه للأعمال التي جمعها بعناية على مدى سنوات، مثبتًا قدرته على التعبير عن الضوء واللون والروحانية في آن واحد.
قدم روحانا من خلاله أعمالاً متكاملة، تنقل المشاهد بين التأمل والدهشة، وتبرز الحس الفني العميق الذي يمتلكه، فكانت هذه التجربة محطة فاصلة أثبتته فنانًا يمتلك رؤية متكاملة وأسلوباً ذا نَفَس إبداعي، وقد لاقى المعرض اهتماماً واسعاً من الجمهور والنقاد على حد سواء.
ولأنّه فردي، حرص روحانا على أن يكون فريدًا في كل تفاصيله، فقرر أن يستشير الشاعر الكبير سعيد عقل، أحد أعمدة الثقافة اللبنانية، وأراه مجموعته من اللوحات قبل عرضها.
أعجب الشاعر الكبير برؤيته الفنية وعمق التعبير فيها، فأبدى استعداده لافتتاح المعرض بنفسه، مؤكداً مكانة الفن وأثره في الوجدان الثقافي.
كتب سعيد عقل شعراً عظيماً خصّ به هذا المعرض، أراد أن يجسّد في كلماته روعة أعمال روحانا ورقيها، وأن يبرز القدرة التعبيرية التي يمتلكها الفنان في تحويل اللون والضوء والظل إلى لغة تلامس الروح قبل العين.
حضور سعيد عقل اعتراف بخصوصية فن روحانا، وتأكيد على أن أعماله تتخطى حدود اللوحة لتصل إلى العمق الإنساني والجمالي في الثقافة اللبنانية.
روحانا والميدل إيست
في معرض جمعه مع الفنانين محمود صفا، وآسيا مسابكي، إشترك ميشال روحانا بثلاثين لوحة من توقيعه، كل منها تنسج تفاصيل عالمه الخاص من الضوء واللون والروحانية.
عند افتتاحية المعرض، لاقت أعماله اهتماماً استثنائياً من الحضور، فاستقطبت الأنظار وأسرت القلوب بعمقها الفني وبنضجها المتجلّي.
بفترة وجيزة تم بيع جميع لوحاته المعروضة.
صودف أن زار هذا المعرض موظفون تابعون لشركة ميدل إيست، وأُعجبوا بأعمال ميشال روحانا لدرجة قرروا شراء نحو تسعة عشر لوحة، لتُستخدم في تقديم الطعام على الرحلات، إلا أنّ هذا النشاط الفني التجاري لم يقتصر على عام واحد، بل استمر لخمس سنوات متتالية، حتى أصبح جزءاً من تجربة السفر للمسافرين ويصل إلى آلاف العيون يومياً.
وكان الكثيرون، من رواد طائرات الشركة، يحتفظون بهذه البطاقات، يضعون لها الإطارات ويعلقونها على جدران مكاتبهم ومنازلهم، فانتشرت لوحاته بشكل غير مباشر ولامست حياة الناس في أماكن لم يكن يحلم بها الفنان.
مثّلت هذه المحطة دفقة عمل جديدة في مسيرة روحانا، إذ ضاعفت الطلب على لوحاته وفتحت أمامه أبواب فرص غير مسبوقة، فبدأ إنتاجه الفني يغمر السوق بغزارة.
لوحات روحانا في دنيا الإنتشار
لم تمضِ فترة حتى أصبح لميشال روحانا جمهور من محبي أعماله في أوساط المغتربين اللبنانيين، ومن بينهم غابي مانوكيان.
جاء لقاؤهما في وقت كان فيه روحانا يعيش مرحلة من الانفتاح على تجارب جديدة، حيث بدأ يلمس ثمار جهوده ويكتسب صدى واسعاً بين محبي الفن والمعارض.
كان غابي مانوكيان شخصية مفعمة بالحيوية والشغف.
ومنذ أول لقاء بينهما، شعر روحانا بأن هناك توافقاً في الرؤى والاهتمامات، خصوصاً في ما يتعلق بفهم الفن كوسيلة للتعبير عن الروح والواقع معاً.
كان غابي يعمل في البورصة، ويتاجر باللوحات بعد اقتنائها، فاشترى من أعماله ثلاثين لوحة.
وبعد فترة التقاه، فأخبره بفخر ورضا: “جميع لوحاتك قد بيعت، ما عدا لوحتان احتفظت بهما للذكرى”.
في السياق، ثمّة حادثة تبرز مدى تأثير أعمال ميشال روحانا وارتباطها بالهوية اللبنانية.
فقد أخبره غابي أنّه زار مرة مطعماً لبنانياً في نيويورك يُدعى "البستان"، حيث كان أصحاب المطعم من محبي الفن اللبناني ويحرصون على اقتناء لوحات روحانا ورفعها على جدران مطعمهم ليراها الزوار، فيبيعون بعضها لمن يرغب بشرائها، ثم يستبدلونها بلوحات أخرى للفنان نفسه.
وفي أحد الأيام، حجز زائر لوحة يريد شراءها، إلا أنّه لم يحضر في اليوم التالي لإتكمال الصفقة.
وبينما كانت اللوحة لا تزال على الجدار، صودف أنّ دخل المطعم زائر لبناني آخر، ووقف أمامها بإعجاب.
وما لبث أن اكتشف أنّ اللوحة تمثل صورة لبيت قديم قريب من كنيسة مار جرجس في جبيل، وهو البيت الذي كان والده قد عاش فيه.
أصابته الدهشة، وأيقن أنّ في تلك اللوحة انعكاسًا لذاكرة عائلته وبيته الأبوي.
وبفيض من عاطفة، طلب شراء اللوحة مهما كان ثمنها، ودفع مبلغاً مضاعفاً للحصول عليها، مؤمناً بأن قيمتها تتجاوز المال، فهي تمثل رابطاً بين الماضي والحاضر.
حادثة ولّدت في روحانا ذاك الدفء، وقد تخطّى شغفه الفنّي حدود الزمن والمكان، واستحالت لوحاته جسراً بين الإنسان وذاكرته، وبين لبنان ومهاجريه.
يقول هنري زغيب في روحانا "تعمقت فيه الحاجة إلى الرسم فكان في البدء يستعمل زيت الزيتون للرسم على الورق (قبل أن يعرف أن للرسم زيتًا خاصًا على القماش).
ووفق لدى انتقاله إلى ثانوية الأشرفية ، بأن لفت أستاذه في الرسم الفنان هاروت طوروسيان فاعتنى بموهبته ونمّاها وشجعه وعلمه تقنية المائيات وروحانيتها، ومنحه الجائزة الأولى في الرسم.
وأكثر: أخذ معه لوحات من تلميذه إلى معرض له في بوسطن.
"
منذ نشأته الفنية تعاقد روحانا مع كاليري بخعازي الذي استقبل لوحاته وجذب إليها رواد الفن التشكيلي ومحبيه.
عن بداية هذه العلاقة الفنية قال هنري زغيب: "وفي تلك الفترة المبكرة كذلك، حمل ذات يوم ثلاث لوحات له إلى غاليري بخعازي (غاب سنتر) كي يأطرها، فأعجب بها نادر بخعازي (صاحب الغاليري) وطلب منه أن يبيعها له فوافق فرحًا.
وفي اليوم التالي اتصل به نادر بخعازي طالبًا منه غيرها لأنه باعها جميعها.
ومن يومها كرّت السبحة، وتعهّد نادر بخعازي أعمال ميشال روحانا فترة طويلة ، فأقام له معارض فردية وأشركه في معارض جماعية.
يقول زغيب إن روحانا يعترف "بأن الفضل في اطراد شهرته وانتشار أعماله يعود في جزء منه كبير، إلى غالري بخعازي (وصاحبها نادر بخعازي وزوجته سهيلة التي حملت أعماله إلى غالريات أخرى خارج لبنان.
عدا تسويقها في غاليري بخعازي، وكانت صاحبة المبادرة بإرشاد مسؤول كبير في الميدل إيست إلى أعماله حتى أصبحت أغلف لوائح الطعام في الطائرة).
عمل بداية موظفًا في صيدلية برتي (الأشرفية وذلك حتى العام 1998) في الوقت عينه تابع تمرّسه بفن الرسم وتسجّل في أكاديمية ميكال أنج يدرس أصوله وتقنياته على يد الفنان العالمي أسعد رنو وقد نال في العام 1982 دبلوم الرسم.
سافر إلى فرنسا وتلقّى دراسات خاصة في الفن التشكيلي.
شارك روحانا في عدد كبير من المعارض الجماعية كما أنه نظم معارض فردية عديدة.
حاز روحانا عددًا وافرًا من الأوسمة وشهادات التقدير ورسائل التهنئة، منها وسام تقدير من الرئيس العماد إميل لحود.
هو اليوم رئيس جمعية الفنانين اللبنانيين للرسم والنحت، وكان انتخب مديرًا فنيًا في لجنة إنماء الجميزة، ينظم معارض درج الفن منذ قرابة الخمس عشرة سنة.
اختير عدد من لوحاته لتزيين صالونات القصر الجمهوري في بعبدا.
عدد من الملوك والرؤساء الأجانب يمتلكون لوحات من توقيعه كهدايا رئاسية تلقوها من القصر الجمهوري.
كما أن عددًا وافرًا من الكتب والمنتجات قد ازدانت برسوم من تصميمه وتنفيذه بما في ذلك المنشور الذي اعتمدته لخمس سنوات شركة طيران الشرق الأوسط على لوائح الطعام.
عمومًا تخطى مجموع ما رسم حدود الستة آلاف لوحة منتشرة في لبنان ومختلف أنحاء العالم.
عن خصوصية لوحاته كتب إدغار دافيديان هي "مشعّة بالأنوار، مرتعشة في ذوبان ألوانها، مفعمة بالهواء في هندستها البارعة البساطة.
تلك هي مائيات ميشال روحانا والتي هي العلاج الكامل لوطأة الحرب و"لهستيريا" المظاهر البراقة.
كان لطفولة هذا الفنان الواثق من نفسه والمثابر أبدًا الوعود الأكيدة بالنضوج.
ولم يفعل الزمن سوى تأكيد موهبة ذات قدرة دائمة على العطاء.
أعماله صافية ، هادئة، مشعة كالنهار تتنفّس نضجًا عميقًا يستشف منها انه لم يتأثر بسيئات الحياة الاجتماعية أو المظاهر التفاخرية.
نقية، بريئة، واثقة وضبابية في آن معًا، معبرة بعبقرية عن واقع انطباعي حيث الأسلوب التعبيري.
ميشال روحانا يعرف كيفية "التقطير" والموازنة بدراية مميزة لجوهر الحياة ورأسمالها.
من ورق وارف الظلال، إلى "مندلون" مثقل بالبيغونيا، إلى عرزال ملتو تحت القش المذهب، إلى درابزين مختبئ تحت دالية معربشة، إلى سماء ملبدة أو ساطعة، إلى رغيف "يرفخ على صاج يدخن.
من سلم "متكئ" على حجارة بيضاء قديمة وقد ترك ظلّه بصورة سحرية إلى بعض سلال القش المليئة بالفاكهة إلى رواق مقنطر، إلى أعمدة أثرية، إلى زيتونة وإلى زورق صغير يستسلم لتأمل الموج.
تعبير ناعم، دقيق، سهل، لمسات أكثر خفّة، وخفيّة من النور الذي يحاول استمالتها.
لذا تندرج هذه الأعمال في الخط الصافي من السرد المحلي المفعم بتقاليد الريف اللبناني في أبّهته الطبيعية، في غناه، في روحه المضياف الهنيئة.
بسيط حتى التجرد، متواضع حتى الانصهار، غني كساعات المسايا العامرة في ذاك الزمان، وكأن هذا السرد قصيدة فرحة في منتصف الطريق بين الشهادة لما لا يهدم ونفثات حلم شفافي حتى النهاية.
قال فيه الشاعر الكبير سعيد عقل:
"تخاله، هذا الميشال روحانا، لا يرسم وإنما يُنزّل كما تنزَّل الآية.
وهو ماذا؟
- روحٍ.
هنا أكيدا الطبيعة.
ولكن مركّبًا لها جناحان.
ويرسم قبل أن يعمل الفرشاة؟ بقلمه لربما، وأكيدًا بقلبه.
ويقال لك إنه رسم بيوتنا بأناقتها والطيب، والضيعة بإناسيها البسطاء وذوي الرجولة.
قُل عمِل أكثر: أعطاناهما، هاتين الضيعة والطبيعة، كأنّهما خارجتان حارّتي جسد وللتو من تلك الأولى التي فاه بها الله.
الضوء واللون هما، عنده وحده، ضوء ولون.
ولوحته جملة؟ إنها الحسناء تبرّجت وقالت :"هيت لك".
هو اليوم على القمة.
بعد سنوات، سنخترع له ما عبر القمة.
إنتاج: www.focusonlebanon.com