دانيل عبد الخالق

في إطار برنامج أعلام من بلاد الأرز، تحيّة شكر وتقدير من أنطوان فضّول إلى فضيلة الشيخ دانيل عبد الخالق.
في بلدة مجدلبعنا الهانئة في قضاء عاليه، أبصر النور، في العام 1983.
مع نشأته كان الزمن يتحوّل، حيث تباشير العيش المشترك بدأت تعود براعمها للتفتح في ربوع الوطن بعد مخاض وحرب وليل أسود.
توزعت دراسته بين مدارس العرفان ومدرسة الإشراق، وتوجّها بتحصيل العلوم الدينية التوحيدية. إلى جانب دراسته المحاسبة وإدارة الأعمال ودخوله باكرًا قطاع العمل التجاري الخاص.
أما تحصيله الجامعي فبدأه في معهد الدراسات الإسلامية المسيحية في جامعة القديس يوسف حيث أنهى دراسته العليا ماستر في العلاقات الإسلامية المسيحية، وختمه ببحث عن دور رجال الدين في المجتمع – مبادرات وأدوار إيجابية. وحاليًا يكمّل دراساته بإعداد رسالة الدكتوراه تحت عنوان "مسار الهويات الدينية في لبنان – التأثيرات الدينية والسياسية".
لكل منا صفات تلازمه لتصبح من نسيج شخصه بحيث ان ذكرت اسمه لاحت فورا لك تلك الملامح.
والشيخ دانيل عبد الخالق موسوم بذاك الحوار الأخوي الإسلامي المسيحي، فهو من رواد من عاش انفتاحًا طائفيًا ومذهبيًا في لبنان.
ثمة كثيرون سبقوه وآخرون يواكبونه. الا ان التعايش العملي التصق بشخصه التصاق الليل بالنهار.
له معرفة وطيدة بالأسس الشرعية والفقهية التي تبرر هذا الحوار الحضاري، كما انه درس ودرّس تطور هذه العلاقة الركنية بين المسيحية والإسلام. وكانت الجامعة اليسوعية المنبر الذي اعتلاه لينشر فكره المتنور منذ العام 2015 حيث يشرف على تدريس مواد تتصل بمجتمع الموحدين الدروز وبالحكمة والتصوّف في التوحيد.
تَدَرُّجٌ في الثقافة والفكر فتح أمامه الطريق نحو استيعاب نبض إنسان القرن الحادي والعشرين، الغارق في محيط من الأيديولوجيات والاستحقاقات والتجارب والواقف على حدود تقاطع التناقضات الدولية. فكان برؤيته الفلسفية والفكرية، أحد وجوه تظهير الفكر العربي في عصر العولمة.
عمل لعقدين من الزمن ولا يزال في سبيل تصحيح الخلل الذي يشوب في أحيان كثيرة العلاقة الحضارية بين المسيحية والإسلام ودورهما الريادي في مسار نشأة الأمم وتحولاتها عبر الأجيال.
الشيخ دانيل عبد الخالق، رجل دين متنور ومفكّر إنساني متألق، تخطى اسمه الحدود اللبنانية وغطى الأجواء العربية ولامس حدود العالمية.
شارك في مؤتمرات محلية وعالمية عدّة، طرح فيها أفكارًا رائدة من شأنها ترسيخ الترابط الحضاري بين فسيفساء الإتنيات الدينية العالمية، وقد كانت مشاركته في المؤتمرات تصبغ أجواءها بالجدية والموضوعية والعملانية. وما إعلان مراكش حول حقوق الأقليات في الديار الإسلامية سوى أنموذج ومثال.
كلماته تلقى الصدى الفاعل في ضمائر وعقول المستمعين والمشاهدين.
صراحته اللافتة، وواقعيته التي لا لبس فيها، أسّستا لنهج فكري سياسي جديد ، بدأت تتربى عليه الأجيال العربية المعاصرة.
هو يقدّس الحريات ويحترم الإنسان وحقوقه، يرفض كل أشكال العنصرية والتطرّف. وتراه لم يكتف بالوصف الفلسفي والقانوني للإشكالية الدينية في العالم المعاصر، بل انتقل بكل طاقته الى الوضعية التطبيقية والدفاعية عن التعايش الصادق والتآلف بين الأديان والمذاهب. ثم جاء تعيينه من شباط 2013 مستشارًا لشيخ عقل طائفة الموحدين الدروز، حتى شباط 2016، فوقف إلى جانب سماحته كالظل ينشط بانسجام تام مع مشيئته ويسانده في تدبير شؤون الطائفة.
دانيل عبد الخالق، رجل دين أصيل ومتنور، مسكون بالمحبة والحضور الراقي، يعمل في الصمت زارعًا الدفء والصفاء. وهو يمتلك ثقافة شمولية وأخلاقًا عالية ونفسية مترفعة وجاذبية في كوكبة الأصدقاء.
بهذه الروح الترسّلية، أسس ومجموعة من رجال دين مسيحيين ومسلمين جمعية "معًا من أجل الإنسان" في السنة 2013 وتم انتخابه رئيسًا لها في السنة 2017.
مسيرته جمعت بين النضال من أجل الحق وتحرير الإنسان من قيود التخلف والعنصرية، وبين البحث عن أطر إصلاحية تسمح بتضميد جراح الجسد اللبناني وترميم ما تمزّق فيه وإعادة نسج أوصاله.
تجذره في الروحية التوحيدية وانفتاحه المتزن على الأيديولوجيات العالمية، وتلمسه غنى الحضور اللبناني وجوهر الهوية اللبنانية، عوامل صقلت شخصيته وأسهمت في بلورة رؤيته الوطنية والقومية والإنسانية. فإذا به يلتزم قضية لبنان وطنًا نهائيًا لجميع أبنائه، وواحة للديمقراطية والحرية المسؤولة، ومنبرًا للحداثة والإبداع.
(إعداد: أنطوان فضّول)