فؤاد الشمالي
النقيب الراحل الدكتور فؤاد الشمالي
أبصر النور في درعون، كسروان، في 12 حزيران من العام 1931.
توفي في تموز 2017.
تأهل منذ 27 حزيران من السنة 1987، بالصيدلانية دالي المعوشي، ولهما ثلاثة أبناء: ميشال وماريز وفؤاد.
منذ فتوته، تفتحت في شخصيته نزعة ثائرة وُلدت عند تقاطع تاريخي- جغرافي استثنائي. فالزمن زمن مخاض نحو الاستقلال؛ والبيئة آفاق كسروانية تأصلت فيها القيم المارونية والحضور التاريخي ونبتت في فيئها العاميات على الطغيان والثورات على الإقطاع، جنبًا إلى جنب مع نزعة الإنفتاح على حضارات العالم وروح العصر.
في هذه الأجواء النابضة، نشأ فؤاد الشمالي، شابًا كسروانيًا أصيلاً، يتلقى من عائلته حب الوطن والالتزام بالحق والصدق، ومن مسقط رأسه درعون – عرش سيدة لبنان – يتنسّم جذوة الإيمان.
في مرحلة طفولته، كان الزمن زمن انتداب فرنسي، والجمهورية الفتيّة تتحضر لولوج عهود الاستقلال بما حملته من وعود وأحلام وما زرعته من بشائر وآمال.
مع تنشئة عائلية طبعت حياته بشفافيتها، جاء تدرّجه الثقافي والعلمي ليطبع شخصيته الإنسانية وليحمل العلم بيد والولاء لوطن الأرز في اليد الثانية. وبهاتين الخاصتين سار في معارج الخمسينيات والستينيات من القرن العشرين، متلقيًا دراسته في مدرسة راهبات القلبين الأقدسين في درعون ومدرسة الفرير الجميزة ومدرسة الحكمة.
ثالوث مدرسي يلخّص لنا ظروف التعليم في تلك الحقبة.
فور نيله الشهادة الثانوية سنة 1951، التحق بكلية الطب الفرنسية في بيروت ينجز تحصيله الجامعي بتفوّق وامتياز.
كان انتقاله إلى العاصمة قبل أن تفترس معالمها عواصف الحرب، فرصة له لاختبار غنى المجتمع اللبناني بتكوينه الفسيفسائي المذهبي ومطواعيته في تأطير التناقضات.
خلال شبابه كان أحد وجوه الحركة المطلبية الطالبية في لبنان.
في السنة 1951 وهو في سنته الجامعية الأولى، انتخب رئيسًا للجنة الطلاب في الكلية المذكورة ورئيسًا لاتحاد الطلاب الجامعيين والثانويين ، فدخل معترك الشأن العام منذ بدايات الخمسينيات، طالبًا جامعيًا يكافح من أجل النهوض بالواقع التربوي والمناهج التعليمية، وتحسين مستوى الحياة.
ثم طوّر حركته فانضم إلى صفوف المطالبين بإنشاء الجامعة اللبنانية الوطنية الرسمية.
ولهذه الغاية نظّم الإضرابات وقاد التظاهرات، وترأس جولة اتصالات مع كبار المسؤولين بمن فيهم رئيس الجمهورية آنذاك بشارة الخوري ورئيس الحكومة رياض الصلح ووزير التربية رئيف أبي اللمع، كما شارك في إحدى جلسات مجلس النواب، محاولاً إقناع الجسم التشريعي بصوابية هذه المطالب، وأثمر تحرّكه صدور مرسوم بالإجماع يقضي بإنشاء الجامعة اللبنانية.
تخصصه الجامعي، توزع بين لبنان والولايات المتحدة الأميركية.
في السنة 1957، وبعد حيازته شهادة الطب بتفوق، غادر لبنان للتخصص طيلة خمس سنوات في جراحة العظم واليد والمفاصل، في جامعتي "نورس ويسترن" في شيكاغو و"سانت لويس" في ميسوري.
كانت الولايات المتحدة في تلك الحقبة قد خرجت من الحرب العالمية الثانية قبل سنوات عشر متزعمة العالم الغربي وحاضنة الثورة العلمية والتقدم التكنولوجي ومركزة الدورة الاقتصادية العالمية في مصارفها ومدنها ذات ناطحات السحاب.
فور عودته إلى لبنان في السنة 1962، انضم إلى فريق عمل مستشفيات عدة، منها: رزق في بيروت، المشرق في سن الفيل، وغيرها.
هو طبيب متفان ومتطوع لخدمة الفقراء والمعوزين ومسيرته المهنية حافلة بعمليات جراحية مجانية لا سيما لمرضى السرطان.
لقد عاش الطب رسالةً وأعطاه بُعدًا وطنيًا ومنحه واقعًا نهضويًا ورسّخه قطاعًا إنسانيًا وشعبيًا.
اما رسالة الطب فحضرت من خلال معاطاته مع مرضاه وبالأخص فقراء الحال منهم ولاسيما طيلة سنوات الحرب وخلال الأزمات.
أما البعد الوطني فتبلور أثناء توليه النقابة حيث انتخب في العام 1974 نقيبًا للأطباء في لبنان ومعه ندخل صميم التحوّل الكبير الذي شهده الطب في بلادنا بتأثير من شخصه ونشاطه وحضوره الميداني.
سياسيًا، آلمه وضع لبنان الذي بدأ بالتردّي منذ منتصف الستينيات، وادرك المؤامرات التي تحاك في الخفاء للنيل من استقلاله وكيانه، فأعدّ دراستين.
الأولى دافع فيها عن سيادة الأراضي اللبنانية، داعيًا إلى عدم التنازل عن أي جزء منها.
والثانية تناول فيها وضعية الجيش وهيكليته وجهوزيته، محذرًا من المؤامرة التي تحاك ضدّه.
ثم أطلق في مطلع السبعينيات "التنظيم" رافعًا شعاره المعروف "تحبه إعمل له"، وخشية على الوحدة اللبنانية باشر بتدريبات عسكرية لنخبة من أبناء منطقته، تداركًا لخطر الانهيار الشامل أمام التدخلات الخارجية والتجاذبات الدولية وهشاشة الوضع الداخلي. ومع اندلاع الحرب في 13 نيسان من العام 1975، لم يقف الدكتور فؤاد على الحياد، بل التزم الدفاع عن الوطن وتأييد الشرعية اللبنانية والزود مع شباب التنظيم عن حياض البلاد وسيادتها.
ومع تشكّل "جبهة الحرية والإنسان"، كان من الطبيعي أن ينضم التنظيم إلى صفوفها ممثلاً بالدكتور الشمالي، فيصبح أحد أركانها إلى جانب رئيس الجمهورية آنذاك سليمان فرنجية، الرئيس الأسبق كميل شمعون، والشيخ بيار الجميّل، والدكتور شارل مالك، والشاعر سعيد عقل، والمحامي شاكر أبو سليمان، رئيس الرابطة المارونية آنذاك، والأباتي شربل قسيس الرئيس العام للرهبانية اللبنانية المارونية، ممثلاً الجمعيات الرهبانية في لبنان.
انضمامه إلى صفوف هذه الجبهة كان الهدف منه تحصين المجتمع المسيحي والمساهمة في تقصير عمر الحرب وفي وأد الفتنة في مهدها، والسهر على الوحدة الوطنية والتحرك من اجل تأمين المساعدات الضرورية لكل متضرر ومنكوب.
في العام 1974، انتخب نقيبًا لأطباء لبنان، وظل في هذا المركز حتى العام 1987.
في عهده عرفت النقابة تحولاً جوهريًا اتخذ طابع العمل التأسيسي بكل ما للكلمة من معنى.
زرع داخلها التنظيم الإداري والتحسين الاجتماعي والعصرنة التي رفعت من مستوى حضور النقابة وفعالية نشاطها داخل الجسم اللبناني.
وفي عهده تسارعت وتيرة المؤتمرات والمحاضرات والندوات رغم تردي الوضع الامني.
وتمكن من القفز فوق الحواجز المادية التي قطّعت الجغرافيا اللبنانية مؤمنًا بأن الأطباء هم اول من يجب أن يعيدوا الوحدة إلى جسم الوطن الممزق.
بهذه الرؤية قدّم خدماته للجميع من دون تمييز طائفي أو مذهبي.
أثّرت الحرب وتداعياتها بشكل عميق في تحديد أولوياته، كما أن مشاهد المعاناة التي عاشها الشعب اللبناني والتي تلمّسها النقيب الشمالي من موقعه النقابي والطبي، لعبت الدور الأبرز في دفعه إلى البحث عن وسائل علمية وحديثة للتخفيف من حدّة المآسي والآلام وتطوير أداء الأطباء والنهوض الدائم بالواقع الاستشفائي اللبناني.
طوال مرحلة الحرب عمل النقيب الشمالي على تضميد جراح المجتمع وتخفيف العبء عن كاهل المواطن ملتزمًا بالخط الوطني ومتمسكًا بالاستقلال والحق والسيادة.
تخطت علاقاته الإنسانية حدود الوطن اللبناني وتمددت على مساحة الكرة الأرضية، لا سيما على امتداد الانتشار اللبناني في العالم. وقد تحوّل بعامل مصداقيته وشفافيته وأسلوبه الخاص إلى نصير للحق والسلام ورقي لبنان وعصرنته وجمع جناحيه المقيم والمغترب.
وفي هذا الإطار، غادر سنة 1976 إلى الولايات المتحدة الأميركية ونجح في إنشاء الرابطة الأميركية اللبنانية American Lebanese League" التي ضمّت في صفوفها كبار الرجالات الأميركيين ورموز الاغتراب اللبناني في خطوة جريئة لتجييش الدعم الدولي لا سيما من جهة الإدارة الاميركية للقضية اللبنانية.
في العام 1977، ودون الانقطاع عن ممارسة مهماته الطبية، بدأ النقيب الشمالي بالعمل في سبيل النهوض بالقطاع الزراعي. فاستقدم الخبرة الأوروبية والاميركية على هذا الصعيد وطعّمها بالذوق اللبناني، وأنشأ في بلدتي درعون ولاسا مؤسسة “CHAL” الزراعية، التي سعى من خلالها إلى تنمية الزراعة في لبنان، وتطعيم العمل الإنتاجي االزراعي بالتقاليد العريقة والكرم الأصيل والجودة في النوعية المتولّدة من رحم الأرض اللبنانية المعطاءة.
لقد عرف كيف يسير بين ألغام الحرب، وانطلق بمواذاة نشاطه النقابي والطبي، في تنفيذ برنامج زراعي إنتاجي رائد، نجح من خلاله في التمدد التدريجي والتأسيس لمشروع متكامل يبدأ بزراعة الشتول والأزهار، ومختلف الزراعات المتوسطية، التقليدية منها والجديدة، إلى جانب تربية النحل والمواشي والدواجن، إضافة إلى إنتاج المحاصيل الزراعية والحيوانية والمعلبات الخالية من مواد حافظة وتسويقها وتطويرها بشكل منسجم مع روح العصر وتقنياته وفي الوقت عينه مع شروط سلامة الغذاء وصحته.
في السنة 1982، كانت له اليد الطولى في تأسيس كليات الطب والأسنان والصيدلة في الجامعة اللبنانية.
ليس الطب في نظره وسيلة سهلة للكسب، إنما رسالة إنسانية لمحاربة المرض، وتخفيف آلام الناس.
كما أن القطاع الزراعي يحتل عنده المرتبة عينها التي يحتلها قطاع الاستشفاء والطبابة.
لقد برع بشكل لافت في معالجة مرض السرطان. ومسيرته كطبيب تزخر بحالات شفاء من هذا المرض الفتّاك. لنا مثال على ما نقول شفاء السيد الياس سرور ابن الرابعة والسبعين بعد خمس عمليات جراحية أجراها خلال ثلاثة أشهر.
(إعداد : أنطوان فضّول)