جوزاف كاورك
طبيب طوى العمر يكفكف دموع المتألمين، أطفأ الألم شعلة قلبه المعطاء باكرًا.
نقرأ عنه فتفرح روحنا بقدر ما يحزن فؤادنا.
طبيب لبناني راحل.
مواليد طبرجا، تشرين الثاني 1931.
تزوج في العام 1962، من صونيا أيوب سمعان، وأنجب أربعة أولاد: مايا (مهندسة ديكور، متأهلة من المحامي سليم جوزيف الخوري)، دانيال (متأهلة من الدكتور سليم بطرس، طبيب في جراحة العين، في واشنطن)، د.
جاك (جراحة نسائية وتوليد، متأهل من بتريسيا يوسف، ولهما ولد)، جان بيار: مهندس في برمجة الكومبيوتر، متأهل من ماري تريز عقل (دكتورة في الحقوق)، ولهما ابنة).
أبصر الدكتور جوزيف كاورك النور في بلدة طبرجا، منارة فتوح كسروان البحرية.
وأمضى طفولته في ربوعها، تداعب عيناه خيوط الشمس، وتتلقّف شعاعها البنفسجي، وهو يرسم بريشته السحرية أجمل اللوحات الربيعية الدافئة، وترصد قوافل الأمواج اللعوب، الآتية من بعيد، تتراقص، مسرعة، هادرة، تودّع زمن العبور بفرح، وترتوي من نسائم آخر لحظات الوجود، قبل أن تتكسّر على الصخر، وتتطاير شظايا، خلف حدود الزمن.
على خطى الموج في طبرجا، سار الدكتور جوزيف كاورك مسيرته الزمنية.
عاش نصف قرن من الزمن، يُخْتَصَرُ بملحمة عطاء مدوّ وألم صامت وإحساس إنساني سامٍ.
تَدَرُّجٌ في العلم، بدأه كاورك طالبًا متفوقًا، فطبيبًا رائدًا، أكسبه بعامل الزمن، ثقافة وارفة وخبرة واسعة الآفاق.
في معهد الرسل جونيه، التقط الحروف الأبجدية، ومشى أولى خطواته في مسيرة تحصيله العلمي، قبل أن ينتقل مع أخيه المحامي جورج كاورك إلى معهد القديس يوسف، في عينطورة.
في هذا المعهد، تابع دراسته، وانفصل داخل جدرانه، عن محيطه.
لم يكن يحق له زيارة بلدته إلا مرتين في الشهر، وذلك كل خمسة عشر يومًا، يعود خلالها إلى مسقط رأسه ومرتع صباه، يختمر من حنان والديه ودفء منزله الأبوي.
طوال وجوده في معهد القديس يوسف، انفصل عن أحداث زمنه.
لم تكن تصله، منها حتى الومضات.
هذا الانسلاخ عن العالم الخارجي، لم يكن مردّه فقط، إلى ذاك النظام الداخلي في المعهد، بل أيضًا، جاء بعامل إرادي وقرار ذاتي، اتخذه من تلقاء نفسه.
هو ليس انطواءً أو هربًا من الناس ونفورًا من المجتمع، بل قمة في الاجتهاد، وشغفًا بالعلم، وبدافع الإفادة من كل دقيقة، للتبحر بالثقافة والفكر.
بعد نيل البكالوريا، الفصل الأول بتفوّق، أنهى المرحلة المدرسية في صف الفلسفة، ودخل الكلية الطبية في الجامعة اليسوعية، متخصصًا في الطب، طيلة سبع سنوات، وتخرّج في العام 1956.
خدم في سنته الجامعية الأخيرة، في مستشفى المعلّقة في زحلة، وفي مستشفى ضهر الباشق، طبيبًا، قبل أن يلتحق بعد تخرّجه، بالفريق الطبي العامل في مستشفى أوتيل ديو.
إلى جانب ممارسته الطب في تلك المستشفيات، وخدمته في عدد من المستوصفات لا سيما في مستوصف يحشوش، افتتح الدكتور كاورك عيادتين خاصتين به، الأولى في طبرجا والثانية في جونيه.
طوى الليالي فيهما، يستقبل المرضى، ويعالجهم، بروح إنسانية متجردة ومُحبّة، وبمهنية ذات مستوى عال.
كان بارعًا ، صلبًا، تميّز بمقدرته على تشخيص المرض.
وقد حوّل عيادته إلى مستشفى ميداني.
تلمّسَه مجتمعُه إنسانًا مرهف المشاعر والأحاسيس، طبب الكثيرين مجانًا، ومدّ المحتاجين بالأموال.
توصل إلى معالجة 30 إلى 35 مريضًا يوميًا.
وقد طغت إنسانيته على مهنته، حيث أنّه كان يغطي عن الكثيرين تكاليف الطبابة في المستشفيات.
حائز وسام الاستحقاق من الحكومة الفرنسية، لخدماته الإنسانية.
من هواياته صيد السمك والكتابة، وقد امتلك موسوعة طبية واسعة ومتكاملة، وتحلّى بذاكرة قوية.
***.
بدأ السكري ينخر جسده المعطاء وهو في الواحدة والثلاثين من عمره، فأخذت تتدهور صحته سنة بعد سنة.
عاش حياة قصيرة ولا شك، لكنها بدت بمجملها، منجم عطاء، فاض بالمحبة والخير وبذل الذات وتحمّل الألم.
في أيامه الأخيرة، عندما تمكّن منه المرض واستفحل، قصد أميركا في رحلة استشفاء أخيرة، عاد بعدها إلى لبنان، عودة الأمواج إلى شاطئه الرومنسي، تحكمه جاذبية الأرض، لتتكسر خلاياه المعطاءة، فوق صخور طبرجا، وتنتشر في فضائها، حرّة، كما البخور يعبق، فيملأ المكان حبورًا وحضورًا وقدسية ورهبة.
***.
الدكتور جوزيف كاورك:.
خواطر طبيب جريج.
(آخر ما دوّنه من خواطر قبل وفاته).
في أيامه الأخيرة، وبينما كان يصارع المرض، ويتحضّر لرشف كأس الموت ويعدّ الدقائق وهي تمرّ ببطء وثقل، استسلمت يده المرتجفة للكتابة، فترك لنا عشرات من الأوراق، خّط عليها بعض ما يختلج نفسه من خواطر ومشاعر عكست على بساطتها، إيمانه القوي، وثباته في مواجهة الموت، ومقدرته على تحمّل الألم.
في تدويناته، تجلّت شفافيته وإنسانيته وشدة تعلّقه بعائلته، بزوجته، وأولاده وأشقائه وأقاربه.
كتب عن طبرجا وهيوستن وخص العذراء بدعاء وصلاة.
من كتاباته نقتطف الصفحات التالية (وقد تعذّرت علينا قراءة بعض العبارات والكلمات):.
***.
صلاة للعذراء مريم.
25/5/1998.
يا مريم القديسة والدة سيدنا يسوع المسيح أضرع إليك من أعماق قلبي.
ليتني أستطيع الجسود (السجود) بسبب مرضي.
عيوني تهطل بالدموع.
أنت أمي خلصيني من الهلاك المحتّم.
أستميحك عن كل خاياي أنت التي ترحمين ضعفي.
لأن ----.
اشفني نهائيًا من كل ---.
أنت القديرة على صنع العجائب، ------.
أعطني القوة والصبر حتى أستطيع الوقوف أمام عرش الإله العلي أمجّده مع الأبرار.
على امل أن تصنعي المجد ----.
بكل احترام وأصلي السلام عليك يا مريم.
***.
هيوستن.
26/5/1983.
هيوستن بلاد شاسعة واسعة مسطحة لا جبال فيها، إنما خضارها يملأ كل مكان.
قصدناها للمعالجة هناك.
المستشفيات مزدهرة ومزودة بتلك الآلات الحديثة وأطباؤها وممرضاتها نبيلات.
مدروسة التفاصيل،
الاعتناء بمرضاهم.
هنا تجرى عمليات القلب المفتوح على يد أطباء ذهبت شهرتهم وأخبارهم في كل مكان وفي العالم الشاسع.
تدب فيها الحياة منذ الصباح الباكر.
كلّ يتجه إلى عمله لا وقت لديه للضياع.
هنا نوعان من المنازل: (بنايات تصل إلى ) الطابق الرابع وأغلبها طبقتين من الخشب، (عادة ما تنشب فيها الحرائق) الكبيرة.
يتأكد من صفارات الإطفاء التي تذهب وتعود إلى الظهور.
والنوع الآخر ناطحات السحاب التي تسابق السماء.
حياة --- وعظيمة، والمدينة مع ذلك بلا روح.
***.
العودة.
21/5/1983.
اليوم هو السادس والعشرين من آيار وقد قررنا العودة إلى لبناننا الحبيب وقد طال غيابنا.
وتعذبنا ما فيه الكفاية وما زلنا، عذاب جسدي وروحي.
قررنا العودة غدًا، وأفكاري كلّها تتصادم في مفكرتي خاصة، وخوفي يزداد من الطيارات في حالي أنا، --- ننتبه.
جسد هزيل، نوبات تأخر تتآكلني ولا نعرف مصدرها.
لكن أملي كبير بالبار القدير العالي أن أصل إلى عائلتي وهم في انتظاري وأنا الولهان والمشتاق إلى لقياهم والعودة إلى أطيب الأشياء إلى قلبي المريض المعذّب.
***.
رسالة من الأعماق.
23/5/1983.
يا له من ليل لا آخر له.
لست ادري أني أعيش أو أحلم.
أني حي أو ميت.
كل شكري يا ربي وأنت من قال لا تسقطنّ شعرة من رؤوسكم إلا بإرادتي.
أنت القدير فلتكن مشيئتك.
لكن أضرع إليك من أعماق قلبي أن--- في حياتي وأن ترجعني إلى بيتي وأولادي.
إلى بلدتي، إلى ضيعتي الوديعة، الرابضة على شاطئ ولا أجمل.
اشتقت يا ربي إلى نسماتها العلال، إلى ورداتها الحمراء إلى العصافير، التي تغرّد في شجيراتها الظلال.
يا رب اشف كل عليل يتألم وكل مظلوم آسه، وكل غريب ساعده في العودة إلى أهله وأحبائه.
بشفاعة السيدة العذراء أمك وأمنا.
كما فعلت في قانا الجليل، كما طلبت منك والدتك القديسة التي لا ترفض لها طلبًا.
اشفني يا رب من كل عللي وأنت من قال اقرعوا يفتح لكم، اطلبوا يعطى لكم.
صلّوا ولا تملّوا.
قريتي.
طبرجا قريتي، تلك الرابضة قرب البحر الأزرق تهاجم البحر بصخورها والبحر يرد لها التحدي.
سماؤها الزرقاء ، نسيمها العليل، --- الفؤاد.
شمسها الساطعة كلؤلؤة تشع وتدفئ.
أريجها ورودها، أرضها المعطاء من الخيرات.
أهلها عربون العطف والحيوية.
عصافيرها تتطاير في الهواء الطلق ثم تحط على أغصان شجراتها الخضراء الطويلة، تغرّد كسمفونية، ---.
تلك قريتي التي اشتقت إليها من كل أعماقي، اشتقت إلى طرقاتها، إلى بيوتها، إلى الجنينة أمام منزلي، حيث أتناول الطعام تحت شجرة كبيرة وقربها الثمار الطيبة كالعنب.
اشتقت وقلبي ينتظر على --- إلى أولادي.
أنا في عوز إلى ضمّهم، إلى قبلاتهم، إلى ضحكاتهم، إلى تصرفاتهم.
فيا رب أنت أملي بأن أعود وأعيش في --- .
إعداد: أنطوان فضّول