جان كميد
في إطار برنامج أعلام من بلاد الأرز، تحيّة شكر وتقدير من أنطوان فضّول إلى الأستاذ جان كميد.
الصحافي والأديب.
جذبته أمواج خليج جونيه الدفّاقة للإبحار في محيط الحريّة، فاختار الصحافة مركبًا يعبر على متنه عقود القرن العشرين، وقد صقلته السنوات خبرة وجعلت منه صحافيًا متمرّسَا، يتمتّع بثقافة شموليّة، ويتحصّن في حصن الأدب الراقي.
نجح في الصحافة إلى درجة الإبداع والإعجاز، وقد واكبه جيلٌ من أهل الفكر والشعر والقلم فكافح معهم تداعيات الحرب ورواسبها، ونشط من أجل إعادة لبنان إلى أصالته وصورته الحقيقية وطنًا للثقافة والمعرفة والنور.
تعب كثيرًا من أجل إبقاء شعلة الفكر الحر وضّاءة في فضاء لبنان الملبّد بغيوم الحرب الدّاكنة.
وقد اعتمدت على شخصه المقدام جمعيات وأندية تشكّلت لإحياء النّهضة.
متجرّد يتحلّى بمواصفات ومزايا.
طوباويّ في حبّه لوطنه وإخلاصه لرسالته.
مثاليّ في احتضانه أهل الفكر، رسوليّ في الدفاع عن قضايا الأدب والشعر والصحافة الحرّة.
لم يتعاط مع الصّحافة كوظيفة بل كرسالة.
كأنّها خلقت معه، وتكوّنت، منذ اللحظة الأولى من تكوينه.
كأنّها مزروعة زرعًا في كل خلاياه منذ تكوينه جنينًا.
يمتلك أسلوبًا أدبيًا رفيعًا وهو متمكّن من ناصية اللغة بمختلف صورها البلاغيّة النابضة بالحياة.
محطات من السيرة الذاتية:
ولد في حارة صخر – جونيه في 17 آب 1930.
والده المحامي والشاعر والخطيب فيليب كميد.
والدته الشيخة روزا غالب الخازن.
متأهل من نوال فرج بجّاني ولهما خمس بنات.
توزّعت دراسته بين معهد الرسل في جونيه ومعهد القديس يوسف في عينطورة، وتابع الدراسة الجامعيّة في كلّية الحقوق الفرنسيّة في بيروت.
إنصرف إلى الصّحافة وترأس تحرير مجلّة "الرسالة" ومجلّة "الرحمة" ومجلّة "أصداء"، وانتسب إلى نقابة محرري الصحافة اللبنانية.
برز في دراساته النّقديّة للشعراء والأدباء المعاصرين، ويوم ترأس تحرير مجلّة الرسالة كان في الرابعة والعشرين من العمر، أي أصغر رئيس تحرير لمجلّة أدبيّة في العالم العربي.
بموازاة نشاطه الصّحافي دخل الوظيفة الرسميّة في العام 1960، معرّبًا اختصاصيًا في قيادة الجيش، فمسؤولاً إعلاميًا في دائرة العلاقات العامة والإعلام في وزارة الدفاع الوطني.
بعدها التحق بمكتب قائد الجيش ثم اعتمد خبير لغات في المديرية العامة لرئاسة الجمهورية.
أشرف على الركن الثقافي وركن التحقيقات والريبورتاجات في مجلة الجندي اللبناني، وفي مجلّة "ألصيّاد" حيث تولّى أيضًا تحرير بابي الإدارة التربوية والإداريّة العسكريّة في مجلّة الإداري الصادرة عن دار اصيّاد.
إلى جانب اعتماده مراسلاً ثقافيًا لجريدة "ألشرق الأوسط" الصادرة باللغة العربية في لندن بين العامين 1978 و1980.
له اليد الطولى في تاسيس "مجلس كسروان الثقافي" في أواسط الستينيات مع نخبة أدباء كسروان، وقد تسلّم فيه مفوضية الشؤون اثقافية، وانتخب لاحقًا نائبًا للرئيس.
إنتسب إلى جمعية أهل الفكر، وأسندت إليه فيها مسؤوليات عدّة، بما فيها المسؤول الإعلامي ومدير الشؤون الثقافية ونيابة الرئاسة ثم الرئاسة.
إلى عضويته في مجلس أمناء "ديوان اهل القلم" إعتمد مستشارًا في "الملتقى الثقافي" في تنورين وجبيل وبالتالي في مجموعة "البيوتات اثقافية في لبنان"، وعضوًا في اللجنة اتلحكيمية لجائزة الأب الشهيد بطرس أبي عقل، كذلك انتخب نائبًا للرئيس وأمين سر سابقًا في اتحاد أولياء الطلبة في لبنان.
شارك في الكثير من المهرجانات الأدبية والثقافية.
وله ديوان شعر مطبوع بعنوان "أضعته العمر"، وكتابات الأول بعنوان "سياحات مع الشعراء والأدباء والفنانين" والثاني بعنوان "جولات في آفاق الفكر والأدب"، فضلاً عن أربعة كتب مترجمة عن الفرنسية من سلسلة "ماذا أعرف؟" ومقالات تتضمن محطات من حياته وذكريات عن شعراء وأدباء وصحافيين وسياسيين، وترجمات لقصائد ومقالات لشعراء وأدباء لبنانيين فرنكوفون وفرنسيين.
حائز وسام الأرز من رتبة فارس، ودرع وزارة الثقافة والتعليم العالي ودرع قيادة الجيش مرّتين، وشعار اللجنة الأولمبية العسكرية.
نال وسام العمل الإنساني من رتبة كومندور من المنظمة الإنسانية العالمية في مدينة ليل في فرنسا ودرع المجلس البلدي لمدينة جونيه ودرع جائزة جورج طربيه وجورج بدوي لإبداع والشارة الذهبية ودرع الجودة وندوة الجودة الثقافية، وميداليتين تقديريتين من رابطة خريجي معهد الرسل، ودرع جمعية "أهل الفكر" مرتين.
كذلك منحه الشاعر سعيد عقل جائزته على دراسته المقارنة في الأدب والشعر عند سعيد عقل والياس أبو شبكة وأمين نخلة وعمر فاخوري.
إلى جانب نيله درعًا تكريمية من اتحاد الصحافة اللبنانية، ودرعصا تقديرية من مؤسسة "مبادرات للإنماء.
أما بعد، فقد تخطّت أفكار جان كميد حدود الجغرافيا اللبنانية وتمددت على مساحة ذات أبعاد إنسانيّة عامّة، كما ألهمت الإنتلجنسيا العربية، بعد أن ساهم من خلال عمله الصحافي والأدبي والنقدي والكتابي في إدخال رؤية تجديدة إلى العالم العربي تستقي أسسها من تطوّر العصر وكنوز الحضارة واكتناه الكعايير الإنسانية.
إقترن اسمه بالنقد الرصين، المتوكئ على ثقافة منهجية، بروح مثاليّة متمرّدة على كل زيف.
غاص عميقًا في محيط الفكر والأدب والصحافة إلى أن التزم هذا الإتجاه نهائيًا طيلة الربع الأخير من القرن العشرين ولا يزال.
هو صحافي متمرّس، عمل في الصحافة صناعة وتحريرًا.
إنتفض على الرّجعية والتخلّف والرّتابة وحمل لواء الديمقراطية والأصالة التي عرف كيف يطوّعها مع روح التجديد والعصرنة.
(إعداد: نطوان فضّول)